ماس يناقش دور المبادرات المجتمعية والتمويل المبتكر في تعزيز الأمن الغذائي وبناء نظم غذائية مستدامة في الضفة الغربية
بيان صحفي
عقد معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس) لقاء الطاولة المستديرة الثامن لعام 2026 تحت عنوان "الأمن الغذائي في الضفة الغربية: المساهمة في بناء نظم غذائية مستدامة من خلال المبادرات المجتمعية والتمويل المبتكر"، وذلك وجاهياً في مقر المعهد وعبر تقنية التييمز، بمشاركة مجموعة من المختصين والباحثين وممثلي المؤسسات ذات العلاقة. وأدار اللقاء د. سامح الحلاق، فيما قدمت د. سامية البطمة أستاذة الاقتصاد في جامعة بيرزيت ورقة خلفية أعدت حول الموضوع، وقدم كل من المهندسة مرام صوالحة مدير عام التخطيط والسياسات في وزارة الزراعة، والسيد صلاح اللحام مدير برامج السياسات والتحليل في برنامج الأغذية العالمي، ود. جميل حرب أستاذ علم النبات في جامعة بيرزيت مداخلاتهم وتعقيباتهم على الورقة.
وفي عرضها للورقة، سلطت د. البطمة الضوء على التحديات التي تواجه القطاع الزراعي والنظم الغذائية في الضفة الغربية منذ تشرين الأول 2023، مشيرة إلى أن القطاع تعرض لصدمة مركبة نتيجة تداخل القيود الإسرائيلية على الحركة والوصول إلى الأراضي والمياه ومدخلات الإنتاج والأسواق، مع تراجع فرص العمل والدخل واضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع مخاطر انعدام الأمن الغذائي. وأوضحت أن هذه التطورات فاقمت اختلالات هيكلية قائمة، أبرزها تجزؤ الحيازات الزراعية، وتراجع وزن المساهمة النسبية للزراعة في الاقتصاد الفلسطيني، والاعتماد الواسع على الأسواق الخارجية. وأكدت أن أهمية الزراعة لا تقتصر على مساهمتها في الإنتاج والتشغيل، بل تمتد إلى تعزيز صمود الأسر الفلسطينية، وتوفير الغذاء، وحماية الأراضي من المصادرة والتوسع الاستيطاني.
كما استعرضت د. البطمة دور المبادرات المجتمعية الزراعية في تعزيز قدرة المزارعين على مواجهة هذه التحديات، من خلال العمل الجماعي وتقاسم المعدات والموارد، وخفض تكاليف مدخلات الإنتاج، وتحسين فرص التسويق وتبادل المعرفة. وأشارت إلى أن هذه المبادرات لا تشكل بديلاً عن السياسات العامة والاستثمارات الزراعية واسعة النطاق، وإنما تمثل أداة مكملة لتعزيز الإنتاج المحلي وربط صغار المنتجين بالأسواق والمؤسسات المالية. وشددت على ضرورة توفير بيئة داعمة لهذه المبادرات، تشمل تطوير البنية التحتية وخدمات الإرشاد والبحث الزراعي، وتسهيل الوصول إلى الأراضي والمياه، وتوفير أدوات تمويل تتلاءم مع طبيعة الإنتاج الزراعي ومخاطره. وفي هذا السياق، دعت إلى تجاوز الإقراض التقليدي القائم على الضمانات العقارية، والتوسع في القروض الموسمية والضمانات الائتمانية والتمويل التعاوني وتمويل سلاسل القيمة والتأمين الزراعي.
من جانبها، أكدت المهندسة صوالحة أن الأمن الغذائي لم يعد قضية زراعية فحسب، وإنما بات يرتبط بقدرة المجتمع الفلسطيني على إنتاج غذائه وحماية موارده الطبيعية واستدامة سبل عيشه، وتعزيز صموده في مواجهة الأزمات. وأشارت إلى أن القطاع الزراعي تعرض خلال السنوات الأخيرة لتحديات متراكمة شملت شح الموارد المائية والتغيرات المناخية وارتفاع تكاليف الإنتاج والاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي والمزارعين والمنشآت الزراعية، وما ترتب عليها من خسائر مباشرة وتراجع في القدرة الإنتاجية. ولفتت إلى أن الزراعة تمثل، إلى جانب دورها الإنتاجي، شبكة أمان اقتصادية واجتماعية للأسر الريفية، وتسهم في حماية المجتمعات المحلية وتعزيز قدرتها على الصمود.
كما استعرضت صوالحة أولويات وزارة الزراعة لتعزيز الأمن الغذائي، والتي تشمل التوسع في إنتاج المحاصيل الحقلية الاستراتيجية، ولا سيما القمح والشعير، وزيادة إنتاج المحاصيل العلفية لتقليل الاعتماد على الأعلاف المستوردة، وتطوير قطاع الثروة الحيوانية وتحسين إنتاجيته، إلى جانب الاستثمار في حصاد المياه وتطوير البنية التحتية للري واستخدام التقنيات الزراعية الحديثة. كما أكدت على أهمية حماية سبل عيش المزارعين، وتمكين النساء والشباب من الوصول إلى التمويل والتدريب والتكنولوجيا والأسواق، وتعزيز الاستثمار في التصنيع الغذائي وسلاسل القيمة المحلية. ودعت إلى توسيع الشراكات بين المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والمؤسسات المالية والشركاء، والانتقال من التدخلات قصيرة الأجل إلى برامج تنموية متكاملة تربط الإغاثة بالتعافي والتنمية.
بدوره، أشار اللحام إلى أهمية التمييز بين مفهوم الأمن الغذائي الذي يعنى بتلبية الاحتياجات الغذائية للأفراد، ومفهوم السيادة الغذائية الذي يرتبط بحق المجتمعات في التحكم بمواردها الزراعية والغذائية وتحديد سياساتها وأولوياتها الإنتاجية. وأوضح أن توافر الغذاء في الأسواق لا يكفي وحده للحكم على متانة النظام الغذائي، في ظل التحديات المتعلقة بالقدرة على الوصول إليه وشرائه وضمان استقرار الإمدادات، ولا سيما في المناطق المهمشة والنائية. ولفت إلى أن التطورات التي شهدها قطاع غزة أظهرت هشاشة النظم الغذائية أمام الصدمات الحادة، فيما تواجه الضفة الغربية تحديات متزايدة مرتبطة بالاعتماد على الاستيراد واضطراب توفر بعض المنتجات الزراعية ومدخلات الإنتاج. كما أوضح أن المبادرات المجتمعية، بما فيها الزراعة الأسرية والتسويق التضامني، ليست جديدة على التجربة الفلسطينية، وإنما تمتد جذورها إلى عقود سابقة، مؤكداً أهمية تعزيز استدامتها وربط المساعدات الطارئة ببناء القدرات الإنتاجية المحلية، وتطوير سلاسل الإمداد بما يعزز قدرة النظام الغذائي على مواجهة الأزمات.
وفي تعقيبه على الورقة، أكد د. حرب أن تطوير القطاع الزراعي الفلسطيني يتطلب معالجة مجموعة من الاختلالات الهيكلية، وفي مقدمتها تجزؤ الحيازات الزراعية، وضعف خدمات الإرشاد الزراعي والبحث العلمي التطبيقي، ومحدودية أدوات التمويل الملائمة للمزارعين، والحاجة إلى تطوير الصناعات الغذائية وتحسين القدرة على التسويق. وشدد على ضرورة إصلاح الحركة التعاونية الزراعية وتعزيز فاعليتها في خدمة المنتجين، إلى جانب توفير برامج تأهيل وتدريب حقيقية للعاملين في القطاع.
وفي ختام اللقاء، أكد المشاركون على ضرورة تعزيز آليات التنسيق بين المؤسسات العاملة في القطاع الزراعي، بما يضمن توجيه التدخلات وفقاً لاحتياجات المزارعين، وإنشاء سجل موحد للمستفيدين وموردي المدخلات الزراعية، وتوسيع أدوات التأمين وإدارة المخاطر. كما أكدت المداخلات على ضرورة توفير بيئة إنتاجية مواتية للمزارعين، بما يسهم في استدامة المبادرات الزراعية المجتمعية وتعزيز الأمن الغذائي والسيادة على الغذاء.