محاضرات يوسف صايغ التنموية
منذ العام 2009 ومعهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني ماس يعقد محاضرة يوسف صايغ التنموية، ويقدمها نخبة من علماء الاقتصاد من جامعات أوروبية وأسيوية وأمريكية، أمام مجموعة من المختصين وذوي الاهتمام بالاقتصاد. ويركز المعهد في كل عام على موضوع مهم ومرتبط بالوضع الاقتصادي الفلسطيني. وتأتي هذه المحاضرة إحياء لذكرى البروفيسور يوسف عبد الله صايغ (1916-2004) ودوره الرائد في دراسات التنمية والتطوير للاقتصاد الفلسطيني.
في سياق محاضرة يوسف صايغ التنموية لعام 2025 التي عقدت الأربعاء 22 تشرين أول 2025 في معهد "ماس" في فلسطين وعبر الندوة الرقمية، قدّم البروفيسور آدم تووز أستاذ التاريخ في جامعة كولومبيا، تحليلًا واسع النطاق للقوى العالمية والإقليمية التي ستحدّد مسار إعادة الإعمار في فلسطين للسنوات القادمة. من جانبه، حذّر تووز من المزالق التي سوف تواجهها فلسطين بخضم الاستقطاب الدولي وصراع القوى العظمى على النفوذ والتحالفات والموارد ورؤوس الأموال التي، كما يشرح، تتركّز بشكلٍ مضطرد في منطقة الشرق الأوسط. بالرغم من هذه التحديات، أشار تووز إلى الفرص التي يمكن أن تستغلها المصالح الوطنية الاقتصادية والسياسية الفلسطينية في المشهد الإقليميٍ سريع التغيّر.
كما وشارك وزير التخطيط الفلسطيني، الدكتور اسطيفان سلامة، كمحاور في المحاضرة معقبا على حجج تووز والقضايا المتعلقة بإعادة الإعمار على المدى الطويل والمتوسط.
ابتدأ تووز المحاضرة ذاكرا أن تحليلاته للوضع استندت لقراءته الخاصة للدراسات والتقارير الصادرة حديثا عن معهد "ماس"، والتي تم إنتاجها أوائل المرحلة الحالية من نضال الشعب الفلسطيني الطويل بعنوان "سلسلة المسار الاقتصادي للسلام والاستقلال" والتي على حد وصفه "تعد مجموعة مميزة من الأعمال البحثية التي تستحق اهتماما أكبر ونشرا على نطاق أوسع".
مقارنًا إبادة التعليم والتجويع الجماعي في قطاع غزة بما يحدث في السودان، أكّد تووز الاستنتاج الواضح للعيان: "الأرقام في السودان كبيرة، بيد أن تركز قوة السلاح الإسرائيلي، واللا تكافؤ في القوى، وسبق الإصرار والترصد بنية القتل والتدمير في غزة تجعل ما يحدث فيها إبادةً من نوع آخر". يضيف تووز بأن من الأمور التي تميز حالة غزة بشكل استثنائي هي أشكال المقاومة المتعددة، فسكان قطاع غزة لم يخضعوا أو يستسلموا ومن الواضح تماما رغبتهم بأن يظلوا في أرضهم. هذا يتقاطع، بنظر تووز، مع أن الإسرائيليين حظوا بدعم وتشجيع العديد من الدول، لكنهم لم يجدوا شريكا في مشروعهم لتهجير أهل غزة.
"هذا المأزق الذي أوجدته المقاومة الفلسطينية، شكل فرقا. فقد كانت إسرائيل قبل الحرب تخنق احتياجات غزة الغذائية ولزمن طويل، لكنها بعد الحرب أوصلتها حد المجاعة. الصور القادمة من غزة كانت صادمة، ما أدى لتضاءل الدعم الدولي لإسرائيل وتفاقم أزمتها السياسية. فانتقالها من سياسة الفصل العنصري/الأبرتهايد إلى سياسة الإبادة العلنية أدت لاشمئزاز وانشقاق في صفوف التحالف المؤيد للصهاينة.
هذا، بدوره، يفتح أفقًا لأولى السيناريوهات المطروحة في تقرير لماس حول الاقتصاد السياسي، ألا وهو "مسار الصدمات المفاجئة" والتحول إلى اتجاهٍ مغايرٍ تماما: قوة فلسطينية موحدة ومباشرة من خلال المقاومة والوحدة الوطنية، تؤثر بدورها على الأجندة السياسية الدولية والإقليمية، علاوةً على إحداث تغيراتٍ طويلة المدى في المفاهيم والتصورات الدولية والإسرائيلية، بما يدفع إسرائيل للتنازل عن الأرض مقابل السلام، ويفرض عليها احترام المواثيق والقوانين الدولية ومنح فلسطين العدالة وحقوق متكافئة (بخلاف أهداف التيار الديني-القومي الصهيوني في إسرائيل).
يعبّر هذا السيناريو، أي "مسار الخروج"، عن المطلب السياسي الثابت بأنه إذا كان مشروع إيجاد الظروف لقيام اقتصاد فلسطيني قادر على الحياة له معنى، إذا، يجب أن يرتكز على أفق ترسخه كوضع دائم. هذا ولا يجب ترسيخ هكذا مشروع كعملية مستمرة وإنما كهدف يتم تحقيقه بتوفير الشروط الأساسية اللازمة لاقتصاد فلسطيني تتوفر فيه مقومات البقاء وذا سيادة.
يضيف تووز: "فيما يتعلق بالتخطيط لإعادة الإعمار، يعد معهد "ماس" مرجعا لا يمكن الاستغناء عنه، لا يمكن وصف شرح إحدى تقاريره، التفصيلي والدقيق لخطط إعادة إعمار قطاع غزّة إلا بالعمل المتقن للغاية. وتحليله لتلك الخطط يستند إلى تسييس أو عدم تسييس تلك الخطط. هذا تحليلٍ مثرٍ جدا، لكنه -وأتجرأ على قول هذا تحليل تشريحي للغاية لدرجة أنه لا يستطيع أن يسلط الضوء على كل ما تقوم به واشنطن هذه الأيام.
في ختام حديثه، أضاف تووز : "إذا كنا نتساءل عن القوى التي تساعد على تهيئة الانفتاح الكبير والتغييرات الجذرية في أوضاع فلسطين، فإن مساهماتي في هذا النقاش هي التالي:
- في خضم الإصرار على التنمية في فلسطين وفضيحة نكوص التنمية، لا يجب أن نقلّل من قيمة وحجم التنمية في أماكن أخرى من العالم. فكما أسلفتم، يمكن للشكل أن يكون متشابها لكن المضمون هو الجوهر: فالنمو الاقتصادي في فلسطين ليس نموا اقتصاديا متكافئا. إن التنمية الحقيقية عملية سياسية وتاريخية بالضرورة.
- فيما يخص المحاور الرئيسية لبنى القوى العالمية، والتي نشأت كنتيجة للتنمية الحقيقية، نحن نعيش في أزمة حقيقية تصل إلى قلب القوة الأميركية.
- إن وتيرة تسارع هذه الأزمة مذهلة. حدثت ثورة الطاقة الخضراء الصينية أثناء أزمة كوفيد. وما تزال تتسع بشكلٍ كبير في خضم حرب غزة.
يحذر تووز بأن "بالرغم من وجود نفس اللاعبين الأساسيين في الشرق الأوسط، إلا أنه على عكس ما كان عليه الحال في التسعينيات، فإن السؤال الأعم اليوم هو عن ماهية النظام العالمي، ومعنى التنمية، وأي تصوراتنا للمستقبلٍ احتمالاته مفتوحة أكثر من أي وقتٍ مضى منذ أربعينيات القرن الماضي. ومن ضمن ذلك احتمالات تحقق "سيناريو الخروج". إذن، فالسؤال الأكبر هنا هو كيف يمكننا أن نجمع ائتلاف القوى التي تسمح بهذا التحول المفاجئ".
|
العنف ونكوص التنمية: من غزة إلى "البلدان الهشة والمتأثرة بالصراع" - بقلم آدم توز |
غزة: من التنمية العكسية إلى التنمية المستحيلة والتدمير - آدم توز |
|
![]() |
![]() |










