معهد ماس يناقش ورقة حول خطط التعافي وإعادة إعمار قطاع غزة والسيناريوهات السياسية المحتملة

19 آب 2026

الأربعاء 19 آب، 2026

عقد معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس)، لقاء الطاولة المستديرة السادس لعام 2026 لمناقشة "قطاع غزة ما بعد الحرب: رؤى وتحليل مقارن لخطط التعافي، واعادة الاعمار والسيناريوهات السياسية" وذلك في مقر المعهد وعبر تقنية الزووم. أعد الورقة الخلفية الباحث في المعهد السيد مسيف مسيف، فيما قدم كل من الدكتور عمر شعبان مؤسس ومدير مؤسسة بال ثينك للدراسات الاستراتيجية – قطاع غزة، والسيدة يارا سالم منسقة الفريق الفني لإطار عمل فينيق غزة، والباحث ياسر شلبي مداخلاتهم على الورقة. رحب المدير العام للمعهد في كلمته الافتتاحية بالمشاركين، معبرا عن تقديره لمؤسسة هينرش بل (مكتب فلسطين والأردن) لدعمها هذه الجلسة.  

بدوره استعرض مسيف بنية الورقة التي تتكون من أربعة أقسام رئيسة. يقدم القسم الأول وصفاً شاملاً ومفصلاً للسياق العام الذي نشأت فيه هذه الخطط، مع تصنيفها حسب الفترة الزمنية إلى ثلاث مجموعات: خطط صادرة قبل الحرب الأخيرة، وخطط صادرة خلال الحرب، وخطط صادرة بعد ما يسمى بـ"اتفاق وقف إطلاق النار" في 10 تشرين أول 2025، بالإضافة إلى تصنيفها بحسب الجهات المُعدّة لها (دولية، وإقليمية، وفلسطينية، وقطاع خاص). أما القسم الثاني، فيعرض مصفوفة تحليلية شاملة تقارن بين الخطط الأربع عشرة وفق المعايير المذكورة أعلاه. ويستعرض القسم الثالث الإطار القانوني الدولي ذي الصلة بإعادة الإعمار، بما في ذلك القانون الدولي الإنساني، وحق تقرير المصير، والمساءلة عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي. ويختتم التقرير بملاحظات ختامية تلخص أبرز السيناريوهات المحتملة والنتائج.

وأوضح الباحث بأن الخلاف الأساسي بين هذه الخطط لا يتمثل في الجوانب التقنية فحسب، بل يكمن في جوهره، في القضايا المتعلقة بالحوكمة والسيادة، ومن هنا تبرز الاختلافات الجوهرية بينها، والتي تتمحور حول مجموعة من الأسئلة الرئيسة، من قبيل: من يحدد الأولويات؟ ومن يسيطر على التنفيذ؟ ومن يمتلك الأصول التي يعاد بناؤها؟ وهل ستعزز عملية إعادة الإعمار السيادة الفلسطينية والحقوق والملكية الوطنية أم ستؤدي إلى تقويضها؟. ويرى الباحث بأنه يمكن تصنيف الخطط الأربع عشرة ضمن خمسة أنماط رئيسية: المقاربة التنموية التقنية، والمقاربة السياسية - الأمنية، والمقاربة الاستثمارية – الخصخصة، ومقاربة الحوكمة الانتقالية الدولية، والمقاربة المجتمعية التشاركية.

كما استعرض الباحث مجموعة من السيناريوهات العامة لمسارات إعادة الإعمار، والتي تأتي بناءً على ربط خلاصات المقارنة السابقة بالواقع السياسي المحتمل في مرحلة "اليوم التالي"، ولخص الباحث أبرز السياسات المحتملة في أربعة سيناريوهات: قيادة فلسطينية في ظل مظلة إقليمية/ دولية، وحوكمة انتقالية دولية قصيرة الأمد، وإعمار استثماري يقوده القطاع الخاص مع ترتيبات أمنية خاصة، واستمرار الوضع القائم مع تعافٍ مجزأ وبطيء في ظل القيود المستمرة. ويتيح السناريو الأول تعزيز الشرعية والمساءلة محلياً ويزيد من فرص بناء محتوى محلي في التنفيذ، إلا أن أحد مخاطره المحتملة تتمثل في تسييس التمويل أو تأخيره. بينما قد يوفر الثاني سرعة أكبر في التمويل والتنفيذ، لكنه قد يؤدي إلى مخاطرة في تهميش الدور الفلسطيني. أما السيناريو الاستثماري فيركز على المشاريع الكبرى والشراكات مع القطاع الخاص، لكنه يثير مخاطر تتعلق بالعدالة الاجتماعية وحقوق الملكية والاعتماد طويل الأمد. في المقابل، يؤدي استمرار القيود والتوتر إلى إبطاء الإعمار وتحويله إلى تدخلات متفرقة، بما يطيل أمد التعافي ويزيد المخاطر الاجتماعية والاقتصادية. وتؤكد هذه السيناريوات أن نجاح أي خطة لا يعتمد على جودة تصميمها فقط، بل على مدى مواءمتها للواقع السياسي والأمني وقدرتها على العمل في ظل المخاطر والقيود المحتملة.

اختتم الباحث عرضه بحزمة من التوصيات تتمحور حول ضرورة إعادة توجيه خطط التعافي والإعمار نحو مرجعية فلسطينية واضحة تستند إلى السيادة الوطنية والقانون الدولي، مع اعتماد معايير موحدة لتقييم الخطط والتمييز بين الرؤى الاستشرافية والبرامج التنفيذية، وضمان حماية الملكية والسكن وجبر الضرر ومنع التهجير. كما ينبغي أن تكون خطط الإعمار شاملة، بحيث تغطي الإسكان والبنية التحتية والاقتصاد والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والحوكمة والبيئة والتنمية المجتمعية، مع تعزيز المشاركة المحلية والقطاع الخاص الفلسطيني. ولتسريع التنفيذ، يقترح الباحث أن يتم إزالة القيود التي تعيق الإعمار، وتحقيق توافق وطني وتوحيد الرؤية السياسية، وتعبئة دعم دولي مالي وسياسي يتناسب مع حجم الدمار، إلى جانب تنشيط دور الهيئات المحلية والمجتمع المدني والاقتصاد المحلي، وضمان أن يكون الفلسطينيون فاعلين وشركاء في عملية الإعمار وليسوا مجرد منتفعين. كما تبرز أهمية تنسيق جهود المؤسسات الدولية ضمن مسار موحد، بما يقلل التشتت ويعزز كفاءة التمويل والتنفيذ واستدامة عملية التعافي وإعادة الإعمار.

وفي مداخلتها، أكدت يارا سالم أن جوهر الاختلاف بين خطط إعادة الإعمار ليس تقنيا بقدر ما هو سياسي، مشيرة إلى أن الورقة تقارن بين 14 خطة وتطرح سؤالاً أساسياً حول من يملك عملية إعادة الإعمار في غزة، مؤكدة ضرورة أن تكون ملكية عملية الإعمار فلسطينية. وشددت على أهمية إيلاء البلديات اهتماماً خاصاً، نظراً لدورها المحوري في إدارة عملية إعادة الإعمار وتقديم الخدمات. كما أكدت أن غزة ليست أرضاً فارغة، وأن الدمار لا يمحو الذاكرة أو حقوق الملكية. مشيرة إلى أن إعادة الإعمار عملية متداخلة تتجاوز إعادة بناء المساكن والبنية التحتية. ودعت إلى العمل على استعادة قدرة المجتمع الفلسطيني على إعادة بناء نفسه وتعزيز صموده، ودمج خطط التعافي المبكر مع خطط إعادة الإعمار ضمن رؤية متكاملة، مؤكدة في ختام مداخلتها أهمية التعاون وتبادل الجهود لتعزيز الورقة البحثية وتطويرها.

أشار عمر شعبان في مداخلته إلى أن الاهتمام الدولي بإعادة الاعمار تراجع في ظل استمرار الحرب والقصف اليومي، لافتا إلى أن بعض خطط الإعمار أعدت دون أي مشاركة فلسطينية. وأكد أن الحديث عن الإعمار لا يمكن فصله عن الواقع الأمني والسياسي القائم، في ظل استمرار القيود على إدخال المواد إلى القطاع وخضوعها للموافقة الإسرائيلية. كما طرح تساؤلات أساسية حول من سيمول إعادة الإعمار، إضافة إلى كيفية تحديد أولويات الدول والجهات الداعمة في ظل وجود أزمات وأولويات أخرى لديها. وشدد على حجم المعاناة التي يعيشها سكان قطاع غزة نتيجة استمرار عمليات القتل، وعلى ضرورة توحيد الفلسطينيين في مواجهة كارثة تمس الجميع، مشيراً إلى ما تشهده الضفة الغربية من ارهاب المستوطنين.

بدوره، أوضح الباحث ياسر شلبي أن الحكومة الفلسطينية أعدت خطة لإعادة إعمار قطاع غزة، جرى تزويد الجانب المصري بها واعتمادها من قبل جامعة الدول العربية، مشيراً إلى وجود خطة للتعافي المبكر أيضاً. وأكد أن الملكية الوطنية لعملية التخطيط تمثل عنصراً اساسياً، وأن التخطيط لإعادة الإعمار لا ينبغي أن يقتصر على الجانب الفني، بل يجب أن يستند إلى إطار سياسي واضح تنعكس فيه الاعتبارات الفنية. وشدد على ضرورة أن تتوافق أي جهود إقليمية أو دولية مع الجانب الفلسطيني، مؤكداً أن المسار الرسمي الفلسطيني هو المسار الذي ينبغي أن يقود عملية التخطيط وإعادة الإعمار.

أجمع الحضور على أن التعافي المبكر يشكل الأساس لأي عملية لإعادة إعمار قطاع غزة، وأنه لا بد من وجود خريطة مرجعية وطنية موحدة تستند إليها مختلف جهود التخطيط والإعمار. كما أكدوا أن نجاح أي خطة يبقى مرتبطاً بتحديد شكل الحكم والحوكمة في القطاع. وشددوا أيضاً على ضرورة أن تكون الخطة الفلسطينية هي المرجعية الأساسية لأي جهود إقليمية أو دولية لإعادة الإعمار، بما يضمن انسجامها مع الأولويات والاحتياجات الوطنية.