قطاع غزة ما بعد الحرب: رؤى وتحليل مقارن لخطط التعافي وإعادة الإعمار والسيناريوهات السياسية - طاولة مستديرة (6)
منذ عام 2008 ، توالت الحروب والاعتداءات العسكرية الواسعة النطاق على قطاع غزة، بالإضافة إلى العمليات العسكرية الأخرى المتقطعة. ومن أبرز هذه الحروب: حرب عام 2008 ، و 2009 ، و 2012 ، و 2014 ، و 2021 ، وأخيراًً حرب السابع من أكتوبر 2023 . وقد أدت هذه الحروب إلى دمار واسع في البنية التحتية والمساكن، وغيّّرت الطبيعة الجغرافية والديمغرافية لقطاع غزة، مما جعل الحاجة إلى إعادة الإعمار حاجة ملحة ومتجددة، وهو ما يتطلب جهداًً كبيراًً وتخطيطاًً منظماًً. وبذلك يتبين أن إعادة إعمار قطاع غزة ليست وليدة اللحظة الراهنة، بل لها جذور تاريخية تعود إلى Arc: A Genuine(” الأمريكية خطة )RAND Corporation( ما قبل الحرب الأخيرة بنحو عقدين من الزمن. ففي عام 2005 ، أصدرت مؤسسة التي تصورت إمكانية ربط الضفة الغربية وقطاع غزة عبر ممر بري وشبكات نقل وبنية تحتية حديثة، ضمن رؤية “(Opportunity for Peace استشرافية لدولة فلسطينية مستقلة. غير أن تلك الخطة ظلت حبراًً على ورق في ظل استمرار الاحتلال وتعمق الانقسام الفلسطيني الداخلي.
شكّّلت الحرب الأخيرة على قطاع غزة نقطة تحول سياسية وأمنية مفصلية في رؤية المجتمع الدولي وصانعي القرار السياسي. وقد انعكس هذا التحول في تكثيف الجهود الدولية والإقليمية لصياغة تصورات ومبادرات وخطط بشأن “اليوم التالي” في قطاع غزة، ولا تزال هذه الخطط، بمختلف أنواعها، حتى يومنا هذا، تنتظر التوافق ونقطة الانطلاق نحو التنفيذ. ومع ملاحظة أن هذه الخطط والمبادرات تتباين في رؤيتها العامة، استناداًً الى الجهة المُُعدّّة للخطة؛ فمثلاًً، هناك خطط تركز على البنية التحتية والنمو الاقتصادي، وأخرى تربط إعادة الإعمار بترتيبات سياسية أو أمنية أو بصيغ للحكم الانتقالي، في حين تختزل خطط أخرى الرؤية العامة في مجموعة من المشاريع التنموية، دون الالتفات إلى الحقوق السياسية والاقتصادية.
على الرغم من تزاحم الخطط المتعلقة بإعادة إعمار قطاع غزة، وزيادة وتيرة الحراك التخطيطي منذ حرب أكتوبر 2023 ، وفقاًً لرؤى الجهات المعنية ومصالحها السياسية والاقتصادية، إلا أنها لا تزال تراوح مكانها. ومع ملاحظة أنه بعد وقف إطلاق النار في يناير/كانون الثاني 2025 ، انتقل التخطيط من الرؤى العامة إلى أطر أكثر عملية، تتضمن هياكل حوكمة أوضح، ونماذج تمويل محددة، وجداول زمنية للتنفيذ، وشروطًًا سياسية معينة. إلا أنها لا تزال خططاًً متفرقة، تخدم غايات كل جهة، مع تجاهل المخاطر والآثار المترتبة عليها بالنسبة إلى الحقوق السياسية والوطنية الفلسطينية، فلا يزال الأفق السياسي مبهماًً، وغير واضح المعالم والمواقف. وبينما تُُقدّّم بعض هذه الخطط بلغة إنسانية أو تنموية، إلا أنها تنطوي على تصورات ضمنية – أو أحياناًً صريحة – حول كيفية إعادة تنظيم الحياة في قطاع غزة: من يتحكم بالمكان؟ ومن يشرف على السكان؟ وما الذي يُُعاد بناؤه؟ وكيف؟ ولمن؟ ما الذي سيحدث للسكان النازحين، ومن يملك منهم الحق في العودة؟ إن البنية التحتية، في هذا السياق، لا تُُبنى فقط بالإسمنت والحديد، بل يجب أن تمتد إلى بناء
مقدرات المجتمع والكادر البشري. لذلك، فإن فهم هذه الخطط يتطلب قراءة مزدوجة: الأولى تقنية تأخذ شكل النماذج وآليات التنفيذ، والثانية تحليلية تستكشف ما وراء الخطاب؛ أي السياقات السياسية التي تحكم الإعمار بوصفه عملية إنتاج سياسي واقتصادي ومكاني، وإعادة تكوين مختلف مناحي المجتمع، وليس مجرد مجموعة من المشاريع أو البرامج الإغاثية التي تندرج ضمن التعافي.
يُُلاحظ أن الاتجاه العام لهذه الخطط يتركز على إعادة الإعمار دون التركيز على التعافي الاقتصادي، إذ يرمي التعافي إلى استئناف الخدمات الأساسية، وبدء تنشيط العملية الاقتصادية والعودة لسوق العمل، وإعادة تأهيل المساكن المؤقتة. إلى حين حل معضلة النزوح وإعطاء الأولوية للفئات الأكثر ضعفا، وهو ما لا يدخل ضمن خطط إعادة الإعمار، التي تندرج في إطار خطط التنمية المتوسطة والطويلة الأجل. وعليه، ينبغي الأخذ بعين الا عتبار الدمج بين التعافي وإعادة الإعمار بصورة متوازنة في الخطط.
وانطلاقاًً من هذا السياق، يتوفر مبررات كافية لإعداد ورقة نقدية توضح وترصد مكنون هذه الخطط وطبيعتها، والأبعاد التي ترمي إليها كل خطة، والتعرف إلى خريطة وغايات خطط إعادة إعمار قطاع غزة المتداولة خلال الحرب الجارية وما بعدها، عبر تقديم قراءة مقارنة تبرز الفروقات الجوهرية بينها، والرؤى التي تحملها. إذ ترصد هذه الورقة التحولات البنيوية في مقاربات إعادة إعمار قطاع غزة خلال العقدين الماضيين، فقد باتت عملية الإعمار، بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 ، أكثر تعقيدًًا من مجرد إعادة بناء المباني، لتصبح عملية متعددة الأبعاد تتقاطع فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والقانون الدولي، الأمر الذي يستدعي مقاربة تحليلية واستراتيجية شاملة.