تنظيم قطاع الحجر والرخام وزيادة تنافسيته: التحديات والتدخلات المطلوبة -طاولة مستديرة (7)
تهدف هذه الورقة إلى عرض أهم الجوانب المرتبطة بتنافسية قطاع الحجر والرخام في فلسطين، والوقوف على الانعكاسات المرتبطة بضعف تنظيمه، وأبرزها المشاكل البيئية وهدر الموارد الطبيعية. تسعى الورقة من خلال هذا العرض والنقاش بين الأطراف ذات العلاقة في جلسة الطاولة المستديرة إلى المساهمة في اقتراح سياسات توازن بين تعزيز العائد الاقتصادي وتقليل الآثار السلبية الناتجة عن توسع نشاط هذا القطاع.
الأهمية الاقتصادية والتحديات التنافسية
يمثل إنتاج قطاع صناعة الحجر والرخام أحد أهم النشاطات التصديرية في فلسطين. فبحسب إحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لعام 2017، بلغت صادرات هذا القطاع حوالي 214 مليون دولار (بما يعادل %20 من مجمل الصادرات). ويشكل السوق الإسرائيلي الوجهة الرئيسية للصادرات بحصة تبلغ حوالي 75% (أنظر جدول 1 في الملحق). كما يساهم هذا القطاع بتشغيل شريحة واسعة من القوى العاملة الفلسطينية، حيث يقدّر اتحاد صناعة الحجر والرخام عدد العاملين الحاليين في هذا القطاع بحوالي 20 ألف عامل، موزعين على 1,180 منشأة.
لكن هذا القطاع يواجه عدداً من التحديات التي تضعف تنافسيته، وترتبط بالقيود التي تفرضها سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وغياب التدخل الحكومي بحسب ما نصت عليه القوانين ذات العلاقة، إضافة إلى عدد من المشاكل الذاتية. فعلى صعيد القيود الإسرائيلية، يعتبر انحسار مناطق التحجير أهم التحديات، إذ يواجه هذا القطاع خطراً استراتيجياً يتمثل في نضوب غالبية صخور التحجير الواقعة في المناطق الخاضعة للسيطرة المدنية الفلسطينية، وعدم السماح بإقامة محاجر في مناطق "أ" ذات الكثافة السكانية العالية. وبحسب تقديرات اتحاد صناعة الحجر والرخام، فإن غالبية المناطق ذات الاحتياط العالي من الصخور الطبيعية والملائمة لفتح المحاجر تقع في منطقة "ج" الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة. فنادراً ما تمنح سلطات الاحتلال الإسرائيلي أي تراخيص لإنشاء محاجر في هذه المنطقة. وبحسب تقرير صادر عن معهد الأبحاث التطبيقية-القدس (أريج)، يعاني أصحاب المحاجر في مناطق "ج" إجراءات الاحتلال التعسفية والمتمثلة بحملات مداهمة متواصلة على المحاجر، ومصادرة معداتها، وفرض غرامات باهظة على أصحابها. وكباقي القطاعات الصناعية الأخرى، يعاني قطاع الحجر والرخام من الإجراءات الإسرائيلية على المعابر التي تعيق مرور البضائع إلى السوق الإسرائيلي والعالم الخارجي نتيجة عملية التنزيل والتحميل من شاحنة لأخرى في تلك المعابر (transportation back to back)، مما يزيد من تكاليف الشحن.
وعلى صعيد الأسباب الذاتية، يساهم ارتفاع تكاليف الإنتاج المرتبطة بعدم تحديث التكنولوجيا المستخدمة في إضعاف تنافسية هذا القطاع. فلا يزال أصحاب المحاجر يتبعون الطرق التقليدية في الكشف عن المحاجر، عبر إزالة طبقات الطمم والأتربة (الكشفة) بالحفارات، مع احتمال تكبد خسائر نتيجة الحفر في الأماكن الخطأ. وربما يرجع هذا، كما نوهنا أعلاه، إلى غياب أي دراسات شاملة حول التوزيعات المحتملة للمحاجر وخصائص تنجيمها بحسب ما نص عليه قانون المصادر الطبيعية. كما ساهم منع سلطات الاحتلال تزويد المحاجر الفلسطينية بالديناميت، منذ 15 عاماً، في تفاقم تكاليف التعدين.
ويساهم ارتفاع فاتورة الطاقة في الحد من قدرة قطاع الحجر والرخام على المنافسة السعرية. فبحسب التعرفة الكهربائية الصادرة عن مجلس تنظيم قطاع الكهرباء لعام 2018، تبلغ التعرفة لمصانع الحجر والمزودة من شبكات الضغط المنخفض 0.58 شيكل لكل كيلوواط/ساعة، وتعد الأعلى مقارنة بالقطاعات الصناعية الأخرى. وعموماً، فإن ارتفاع تكاليف الطاقة لهذا القطاع لا ينسجم مع أهداف تشجيع النشاط الصناعي لقرار بقانون الصناعة لعام 2011، مادة (17)، والتي تنص على اعتماد أسعار خاصة للمياه والكهرباء والمحروقات المستخدمة للأغراض الصناعية. كما استثنى قرار بقانون رقم (7) لسنة 2014 بشأن تعديل قانون تشجيع الاستثمار الفلسطيني رقم (1) لعام 1998 وتعديلاته الكسارات والمحاجر من حزم التحفيز الضريبي.
كما يعاني هذا القطاع من غياب الكفاءات العمالية الماهرة، وافتقار عدد كبير من المنشآت إلى المهارات اللازمة في الإدارة والتخطيط والتسويق الخارجي. وفي محاولة لتعزيز بناء القدرات، تم إنشاء مركز الحجر والرخام في جامعة بوليتكنك فلسطين عام 2009، وذلك بالتعاون مع وزارة الاقتصاد الوطني واتحاد صناعة الحجر والرخام. ويهدف هذا المركز إلى رفد القطاع بالعمالة الماهرة، وإجراء الفحوصات المطلوبة لمنتجات الحجر لأهداف التصدير. لكن ما زالت نشاطات هذا المركز دون المستوى المتوقع مقارنة بما يمكن أن يقدم. كما أن تعزيز تنافسية القطاع وتنظيمه لا يمكن أن ينجح بمعالجة جانب واحد من التحديات، إذ يحتاج الأمر إلى تضافر الجهود من قبل القطاع العام والخاص.