مدى جذب المناطق الصناعية الفلسطينية للاستثمارات -جلسة طاولة مستديرة (5)
تُعرَّف المنطقة الصناعية بأنها قطعة أرض تم تطويرها وتقسيمها إلى وحدات صناعية وفقاً لخطة شاملة، وتتوفر في هذه المنطقة خدمات البنية التحتية (مياه، وكهرباء، وصرف صحي، وطرق، واتصالات). ويمكن أن يشمل ذلك إقامة أبنية صناعية جاهزة (UNIDO, 1997). تلعب المناطق الصناعية دوراً أساسياً في عملية التنمية الاقتصادية في مختلف دول العالم، وذلك نتيجة مساهمتها الكبيرة في التشغيل وفي الناتج المحلي الإجمالي والتصدير، وغير ذلك من المؤشرات الاقتصادية الكلية. وقد شكلت رافعة اقتصادية حقيقية لاقتصادات العديد من الدول، كتركيا التي زاد عدد المناطق الصناعية فيها من 12 منطقة إلى 27 منطقة بطاقة تشغيلية تصل إلى أكثر من 880 ألف عامل. وفي تايلاند وصل عددها من 27 منطقة عام 1980 إلى 120 منطقة عام 2009 بقيمة استثمارية تصل إلى 21 مليار دولار، وفي فيتنام 71 منطقة صناعية تشغل 22% من القوى العاملة (ماس، 2013).
هناك ثلاثة دوافع رئيسية لإنشاء المناطق الصناعية: الدافع الأول تطويري (Developmental) من أجل تطوير وتحسين مستوى الصناعة في منطقة معينة. أما الدافع الثاني فهو ترويجي (Promotional) لتشجيع إنشاء صناعات جديدة وتطوير الصناعات القائمة، وخلق علاقة بين الصناعات عبر تعزيز الروابط الخلفية للصناعات القائمة بالصناعات المستحدثة. ويوجد دافع ثالث يتمثل بتجميع الصناعات المشتتة (Dispersal)، ويقصد بذلك توفير مواقع صناعية للمشاريع التي تواجه صعوبات في التوسع، أو تنظيم وإرشاد المشاريع الصناعية، خصوصاً المنشآت الصناعية الصغيرة والمتوسطة، للتوطين في أراضٍ مناسبة من حيث الخصائص الطبوغرافية والموقع الجغرافي، وذلك لمراعاة الجوانب البيئية عبر فصل التجمعات الصناعية عن السكنية، لتعظيم الاستفادة من استخدام الأراضي للأغراض المختلفة. وبالنتيجة، يتم تشجيع الصناعات للانتقال من المدن والتجمعات السكانية إلى المناطق الصناعية لتخصيص خدمات ومرافق بشكل منفصل لتجنب الاختناقات المرورية (ماس، 2013). وعلى المستوى الفلسطيني، قد تكون منطقة رام الله والبيرة الصناعية مثالاً على المناطق العشوائية والمشتتة.
أما بالنسبة للحوافز والامتيازات التي يمكن تقديمها للمشاريع في المناطق الصناعية، فهي متعددة ومتنوعة تبعاً لطبيعة المنطقة الصناعية ونوعها والهدف من إنشائها والموقع الجغرافي المقامة عليه. فقد تضمن الدليل الإرشادي الصادر عن المنظمة الدولية للتنمية الصناعية (UNIDO, 1997) رزمة من الحوافز التي يمكن تقديمها للمشاريع المقامة في المناطق الصناعية، وهي:
أسعار مخفضة نسبياً للأراضي ولإيجارات الأبنية الصناعية.
أسعار مدعومة وتفضيلية للمياه والكهرباء والاتصالات وباقي خدمات البنية التحتية.
تسهيل الإجراءات وحصرها في نافذة واحدة.
إعفاءات من رسوم الاستيراد والتصدير، ومن ضرائب الدخل، وتقديم إعانات (وهذه النقطة تخص المناطق الصناعية الحرة والحدودية) (World Bank, 2009).
وقد بدأت السلطة الفلسطينية التحضير لإنشاء مناطق صناعية منذ تأسيسها عام 1994، وفي عام 1996 قامت بإنشاء دائرة مختصة بمتابعة برنامج المناطق الصناعية تابعة لوزارة الصناعة الفلسطينية، حسب ما كانت تسمى في ذلك الوقت، ثم حُوِّلت في عام 1998 إلى مؤسسة مستقلة لتكون النافذة الاستثمارية في المناطق الصناعية الفلسطينية، وهي الهيئة العامة للمدن الصناعية والمناطق الصناعية الحرة. وبعد ذلك أصدرت السلطة الفلسطينية في العام نفسه قانون رقم 15 لسنة 1998 بشأن المدن والمناطق الصناعية الحرة، إضافة إلى مجموعة من القوانين في الشأن الاقتصادي، وفي مقدمتها قانون تشجيع الاستثمار، وقانون الأوراق المالية، وقانون الضرائب، أملاً في تنشيط الحركة الاستثمارية في فلسطين بشكل عام والمناطق الصناعية بشكل خاص (مكحول وعطياني، 2004).
وتوجت هذه الجهود بإنشاء عدة مناطق صناعية بالتعاون مع الدول المانحة والمؤسسات الدولية الداعمة، وهذه المناطق موزعة كما يلي: منطقة غزة الصناعية، ومدينة أريحا الزراعية الصناعية، ومنطقة جنين الصناعية، ومنطقة بيت لحم الصناعية، إضافة إلى منطقة ترقوميا الصناعية التي ما زالت في طور التحضير.
تأتي هذه الورقة ضمن توجهات "ماس" لعقد لقاءات الطاولة المستديرة التي تتناول مناقشة الموضوعات ذات الاهتمام العام بهدف الخروج بتوصيات تخدم صانعي القرار. وفي هذا السياق، ستعرض هذه الورقة موضوع مدى جذب المناطق الصناعية الفلسطينية للاستثمارات، إضافة إلى مناقشة الحوافز الاستثمارية والسياسات العامة المتعلقة بالمناطق الصناعية.