الموازنة العامة 2017: المنطلقات والمستجدات (مع مقارنة بالموازنة الفعلية 2016) - جلسة طاولة مستديرة (1)
التقييمات والدراسات حول تجربة العمل الاقتصادي والمالي الفلسطيني تحت الاحتلال وفي ظل اتفاق أوسلو وباريس الاقتصادي كثيرة جداً، وعلى الرغم من كثرتها، فلا يوجد ما هو شاذ في التقييم والاستنتاج، فجميعها تجمع على حجم الخناق الذي يعيشه الاقتصاد الفلسطيني، وعلى الآثار السلبية والقيود المفروضة على كافة الأنشطة الاقتصادية والمالية الفلسطينية، فكافة المراقبين والباحثين وصانعي القرار يؤكدون على أن الاقتصاد الفلسطيني يقع تحت التهديد في كافة مجالاته، ابتداءً من نقص وغياب السيادة الاقتصادية، وعدم استغلال الموارد الطبيعية، وضعف التحكم بالسياسات التجارية والنقدية والمالية، وانتهاءً بالقيود التي تزعزع الاستقرار المالي. لا يوجد مجال في هذه الورقة للتطرق إلى كافة الآثار السلبية، ولكن وجب التنويه لها فقط كمدخل لموضوع الآثار السلبية المتنوعة التي يعاني منها الاقتصاد الفلسطيني والتي تضع خطط الموازنة الفلسطينية دائماً تحت عصا هذه التهديدات. فموضوع الورقة يركز على موازنة عام 2017 وما هو جديد فيها، مع الأخذ في الاعتبار هذه البيئة التي يعاني منها الاقتصاد الفلسطيني.
ضمن هذه البيئة، فإن التخطيط للموازنة العامة يواجه العديد من التحديات الخارجية الناجمة عن الاحتلال الإسرائيلي أهمها عدم اليقين في التنبؤ بالإيرادات بسبب تحكم إسرائيل في جزء هام منها، وعدم اليقين من المساعدات الخارجية الموجهة لدعم الموازنة. إلا أن ذلك لا يعني انعدام الهوامش المتاحة في السياسة الاقتصادية والمالية الفلسطينية، من خلال استخدام سياسات الموازنة العامة وأدواتها. إذ يوجد إمكانية لرسم سياسات الإنفاق والضرائب المحلية وجزء هام من الضرائب غير المباشرة، والتعامل مع القطاع الخاص الفلسطيني بشفافية ووضوح وفي إطار قانوني يضمن حقوق القطاعين الخاص والعام.
يأتي إعداد موازنة عام 2017 كالمعتاد في ظل معطيات اقتصادية وسياسية معقدة ومتغيرة بين فترة وأخرى، وعلى الرغم من ذلك تم تقديم موازنة من قبل وزارة المالية على اعتبار بأنها تنسجم مع التطلعات الاقتصادية والمالية، والتي ترمي في النهاية إلى الاعتماد التدريجي على الذات وعلى الاقتصاد المحلي في بعض بنودها الإيرادية. وهذه الجهود هي استكمال لجهود سابقة بدأت ضمن توجهات جديدة من خلال البدء بتطبيق موازنة البرامج وترسخت في موازنة عام 2015 بشكل أساسي منذ عام 2010 وخطابها السياساتي والإجرائي والقانوني. ويمكن القول أن المنطلقات والسياسات التي تبلورت بعد عام 2015 قد أحدثت فارقاً كبيراً عن النهج السابق في إعداد الموازنات، فأصبح إعداد الموازنة يمر في ثلاث مراحل أساسية، وهي: أولاً، المرحلة التمهيدية التي تشكل القاعدة المرجعية وإطاراً عاماً للسياسات من خلال تشخيص الواقع الاقتصادي ومؤشراته المختلفة. ثانياً، مرحلة إعداد بنود الموازنة بما تحتويه من نفقات وإيرادات، من خلال إجراءات محددة تبدأ من وزارة المالية بتعليمات إلى مراكز المسؤولية لتعبئة النماذج الخاصة بتقدير احتياجات كل مركز، ومن ثم تجميع كافة هذه البنود الفرعية للوصول إلى الموازنة العامة، لعرضها كمشروع قرار على الجهات المختصة القانونية للمصادقة عليها. ثالثاً، مرحلة التنفيذ والمتابعة والتي تكون من مسؤولية ومهام وزارة المالية لضمان الالتزام بالسقوف المنصوص عليها في الموازنة.