تعزيز صمود القطاع الخاص في قطاع غزة: إطار متكامل للتعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة - طاولة مستديرة (9)
لطالما شكّل قطاع غزة جزءًا أساسيًا وحيويًا من كينونة الاقتصاد الفلسطيني، ليس فقط من خلال مساهمته في النشاط التجاري والإنتاجي والخدمي، وإنما أيضًا من خلال موقعه ضمن شبكة أوسع من العلاقات الاقتصادية التي تربط الأسواق والعمالة ورأس المال والإنتاج محليًا ودوليًا. وقد تعرض هذا الدور، على مدى سنوات طويلة، لتآكل متواصل بفعل القيود المفروضة على الحركة والوصول والتجارة، وتكرار الحروب والاعتداءات الإسرائيلية، وضعف الاستثمار والإنتاجية، وتراجع القدرة على الاندماج في الأسواق المحلية والخارجية. كما أسهمت التشوهات البنيوية والمكانية التي فرضها الاحتلال في إضعاف القطاعات الإنتاجية وإعادة تشكيل أنماط التجارة والخدمات داخل الاقتصاد الفلسطيني (Kurd et al., 2024). ومع ذلك، ظل الاقتصاد الغزّي، والقطاع الخاص على وجه الخصوص، يحتفظان بشبكة من المنشآت والأعمال والعلاقات التجارية والإنتاجية التي مثّلت جزءًا من البنية الاقتصادية الفلسطينية.
وقد بلغ هذا التحدي مستويات غير مسبوقة خلال الحرب التي بدأت في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، إذ أدت إلى انتقال التدهور الاقتصادي من حالة التقييد البنيوي إلى حالة من التفكك الواسع في القاعدة الإنتاجية والبنية التحتية والأسواق وشبكات العمل والتجارة والخدمات. ومن هنا، فإن الحديث عن تعافي القطاع الخاص لم يعد متعلقًا فقط بحجم الأصول التي دُمّرت أو قيمة الخسائر المادية، وإنما بمدى قدرته على استعادة جزء أساسي من الدورة الاقتصادية التي تربط رأس المال بالعمل، والدخل بالإنتاج والأسواق بالإنتاج.
فالقطاع الخاص، بمفهومه الواسع، يشمل المنشآت التجارية والصناعية والزراعية والخدمية، والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وأصحاب الأعمال والعاملين فيها، والموردين والمقاولين والمنتجين ومقدمي الخدمات، وما يربط هؤلاء جميعًا من علاقات إنتاج وتوريد وتمويل وتسويق. ولذلك، فإن انهيار هذه المنظومة لا يعني فقط خسارة أصول مادية، بل يؤدي أيضًا إلى تعطيل العلاقات الاقتصادية التي تجعل تلك الأصول قادرة على توليد القيمة والدخل وفرص العمل.
ومن هذا المنطلق، تأتي هذه الورقة في سياق البحث عن مسار واقعي لتعافي القطاع الخاص في قطاع غزة، لا باعتباره قطاعًا منفصلًا عن الاقتصاد الفلسطيني، وإنما باعتباره جزءًا من منظومة اقتصادية أوسع ينبغي إعادة وصلها وتقويتها. ويكتسب هذا البعد أهمية خاصة لأن الحرب لم تدمر منشآت داخل غزة فحسب، بل عمّقت أيضًا الانقطاع بين غزة وبقية الاقتصاد الفلسطيني. وتظهر دراسة لمعهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس) أن ممر التجارة بين الضفة الغربية وقطاع غزة كان تاريخيًا عنصرًا مهمًا في بناء اقتصاد فلسطيني موحّد، وأن القيود المفروضة على الحركة والتجارة أدت إلى إضعاف سلاسل التوريد والروابط الاقتصادية بين المنطقتين (Yaaqbeh, 2025, pp. 1-5).
وعليه، فإن إعادة تشغيل القطاع الخاص في غزة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها عملية لإحياء اقتصاد محلي منفصل، بل باعتبارها فرصة لإعادة بناء علاقاته البنيوية والتكاملية مع الاقتصاد الفلسطيني في سياقاته الأوسع. فالتعافي الذي يعيد فتح منشآت داخل غزة، لكنه لا يعيد بناء روابطها مع الموردين والأسواق والخدمات المالية والمهنية في الضفة الغربية، ولا يفتح أمامها مسارات التجارة الخارجية، سيظل تعافيًا محدودًا من حيث الحجم والقدرة على الاستمرار. أما التعافي الذي يعيد دمج غزة تدريجيًا في شبكات الإنتاج والتجارة والتمويل والخدمات الفلسطينية، فيمكن أن يوسع السوق المتاحة للمنشآت، ويقلل بعض مخاطر الاستثمار، ويسمح بتوزيع أفضل للموارد والقدرات داخل الاقتصاد الفلسطيني.
وتنطلق الورقة، في هذا الإطار، من تمييز أساسي بين عودة تدفق السلع وعودة الاقتصاد إلى العمل؛ فاستعادة بعض الحركة التجارية أو دخول السلع إلى السوق لا تعني بالضرورة استعادة القدرة الإنتاجية للمنشآت، أو عودة العمالة إلى وظائفها، أو انتظام سلاسل التوريد، أو قدرة المنشآت على الوصول إلى المدخلات، والطاقة، والتمويل، والأسواق. كما أن استعادة حركة السوق لا تتطابق بالضرورة مع استعادة الدورة الإنتاجية. ولذلك، فإن الانتقال من منطق البقاء إلى منطق الانتعاش لا يبدأ من حجم التجارة وحده، ولا من حجم الأموال المخصصة لإعادة الإعمار، وإنما من قدرة الاقتصاد على إعادة تشغيل وظائفه الإنتاجية وإعادة بناء العلاقات التي تربط العمل برأس المال، والإنتاج بالدخل، والأسواق بالإنتاج.
ومن هنا، لا ترتكز الورقة على افتراض أن إعادة الإعمار المادي ستقود تلقائيًا إلى التعافي الاقتصادي، ولا على افتراض أن الاستثمار الخاص يمكن أن يعود بمجرد توفير رأس المال. بل تنطلق من سؤال أكثر تحديدًا: ما المسار الواقعي الذي يمكن أن يسلكه القطاع الخاص في غزة للانتقال من منطق البقاء إلى منطق الانتعاش الاقتصادي، في ظل القيود الراهنة المتعلقة بالوصول والحركة ورأس المال والبنية التحتية؟
وتحاول الورقة الإجابة عن هذا السؤال من خلال الانتقال من تشخيص نقطة البداية إلى تحليل القدرة الإنتاجية المتبقية، ثم تحديد القيود التي تحول دون التعافي، ودراسة دور إعادة الإعمار في إعادة تشغيل الاقتصاد، وصولًا إلى بحث التكامل الاقتصادي الفلسطيني بوصفه أحد شروط الانتقال من التعافي المحدود إلى الانتعاش المستدام. ولا تهدف الورقة إلى تقديم نموذج نهائي أو وصفة مكتملة لاقتصاد غزة بعد الحرب، إذ إن كثيرًا من محددات البيئة السياسية والأمنية والمؤسسية لا تزال قيد التبلور. وإنما تسعى إلى توفير إطار تحليلي وسياساتي يساعد الطاولة المستديرة على الانتقال من السؤال العام حول "إعادة الإعمار" إلى سؤال أكثر تحديدًا حول كيفية تحويل الموارد المتوقعة للتعافي إلى قدرة إنتاجية فلسطينية قابلة للاستمرار والنمو، ثم إعادة وصلها بالاقتصاد الفلسطيني وتمكينها من التوسع نحو الأسواق الإقليمية والدولية.