نشرة الأمن الغذائي - العدد 33 (النصف الثاني من العام 2025)
يواصل معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس) إصدار نشرة الأمن الغذائي منذ العام 2009 ، بوصفها أداة تحليلية دورية ترصد التحولات التي يشهدها هذا القطاع الحيوي في فلسطين، وتوفر مرجعاًً علمياًً داعماًً لصانعي السياسات والمؤسسات العاملة في مجالات الإغاثة والتنمية. وعلى مدار السنوات الماضية، تطورت النشرة
لتواكب تعقيدات الواقع الفلسطيني، منتقلةًً من متابعة مؤشرات الأمن الغذائي إلى تفكيك محدداته البنيوية في سياق سياسي واقتصادي شديد الهشاشة.
إلا أن التطورات منذ حرب الإبادة والتجويع على قطاع غزة في السابع من تشرين الأول عام 2023 ، وما تبعها من حصار وممارسات قمعية واعتداءات في الضفة الغربية أيضاًً، فرضت تحوّّلاًً جوهرياًً في مقاربة النشرة، فلم يعد الحديث يقتصر على “الأمن الغذائي”، بل بات توصيف الحالة الأدق هو “انعدام الأمن الغذائي”. ويأتي ذلك في
ظل الاستخدام المنهجي لسياسات التجويع كأداة في سياق العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وما رافقه من تدمير واسع النطاق لمقومات الحياة والإنتاج، وتعطيل شبه كامل لمنظومات الإمداد الغذائي.
ويصدر هذا العدد في مرحلة مفصلية أعقبت وقف إطلاق النار في تشرين الأول 2025 ، وهي مرحلة تحمل في طياتها تناقضاًً واضحاًً بين بوادر التهدئة من جهة، واستمرار مظاهر التدهور البنيوي من جهة أخرى. فعلى الرغم من التحسن النسبي في بعض المؤشرات الإنسانية، تكشف المعطيات عن استمرار القيود المفروضة على تدفق السلع،
وتعمّّق آثار التدمير الذي طال البنية الاقتصادية والزراعية، سواء في قطاع غزة أو في الضفة الغربية. وبالتالي، لم تعد أزمة الأمن الغذائي في فلسطين تعكس اختلا الًا ظرفيًًا في توفر الغذاء أو الوصول إليه، بل باتت تشير إلى تآكل تدريجي في بنية النظام الغذائي ككل، بما يشمل الإنتاج المحلي، وسلاسل الإمداد، وأنماط الاستهلاك. ويعكس ذلك
انتقال الأزمة من حالة طارئة إلى و ضع ممتد تتشابك فيه الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية.
في هذا السياق، تأتي هذه النشرة امتداداًً لجهود المعهد البحثية خلال الفترة الماضية في توثيق وتحليل الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية للعدوان، مع تركيز خاص على استشراف متطلبات الاستجابة الإغاثية، وإعادة الإعمار، وتعزيز صمود النظم الغذائية. كما تسلط الضوء على التحولات التي طرأت على أنماط السيطرة على الموارد الطبيعية
وسلاسل الإمداد، بما يعكس استمرار التحديات أمام تحقيق أي شكل من أشكال السيادة الغذائية.
يتناول هذا العدد أحدث المستجدات المرتبطة بانعدام الأمن الغذائي، بما في ذلك طبيعة السلع المسموح بدخولها إلى قطاع غزة خلال فترة وقف إطلاق النار، واستمرار استهداف البنية الداعمة للإنتاج الغذائي في الضفة الغربية، خاصة فيما يتعلق بالأراضي والموارد المائية. كما يناقش تطورات أسعار الغذاء محلياًً وعالمياًً، مع إبراز أزمة ارتفاع
أسعار اللحوم، ويستعرض أبرز ما جاء في التقارير الدولية الحديثة، لا سيما تلك الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)، إضافة إلى نقاشات نظرية ومنهجية حول قياس انعدام الأمن الغذائي واستشراف التدخلات اللازمة لمواجهته.