يجوز تنزيل هذا المنشور للاستخدام الشخصي فقط، ولا يجوز إعادة إنتاجه لأغراض تجارية.

صناعة السياسات الاقتصادية في فلسطين: الشراكة بين القطاعين العام والخاص

الكاتب: معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس)
السنة: 2025

صناعة السياسات الاقتصادية في فلسطين ليست بالأمر الهين والاعتيادي، إذ أن غالبية الأدوات التي يحتاجها صانع القرار الاقتصادي غير متاحة، وحتى الأدوات المتاحة مقيدة ومكبلة بفعل الاحتلال الإسرائيلي وممارساته التعسفية، وهذا هو الوضع المعتاد ما قبل السابع من أكتوبر 2023 )قبل حرب الإبادة(، الذي فرض واقعاًً جديداًً أشد قيوداًً وحدة على هوامش السياسات الاقتصادية الفلسطينية كافة. 

قبل السابع من أكتوبر، أشارت العديد من الدراسات والتقارير الدولية إلى أن الاقتصاد الفلسطيني يعاني من تشوهات واختلالات هيكلية نتيجة القيود الاحتلالية والتبعية القسرية للسياسات الإسرائيلية. ومن أبرز هذه التشوهات: اقتصاد مشوه لسلطة منقوصة السيادة، اعتماد كبير على العمالة في إسرائيل، ضعف القاعدة الإنتاجية السلعية، عدم السماح باستغلال الموارد الاقتصادية التي تساهم في بناء سياسات اقتصادية موجهة. هذه العوامل، مجتمعةًً، ساهمت في خلق اقتصاد فلسطيني هش، ويعتمد، بشكل كبير، على العوامل الخارجية، ما يجعله عرضة للصدمات والأزمات. ولذلك، اتسم الاقتصاد الفلسطيني بالنمو المتذبذب، ومعضلة البطالة والفقر والعجز المزمن في الموازنة، يلازمه عجز في الميزان التجاري. يضاف إلى ذلك، تعاظم سيطرة قطاعات الخدمات والتجارة على حساب قطاعات الإنتاج السلعي، بحيث أصبح 65 % من الاقتصاد الفلسطيني يعتمد على الخدمات، وقد أدى ذلك إلى اعتماد الاقتصاد الفلسطيني، في نموه وسد عجز الموازنة، على المساعدات الخارجية التي تسهم في رفد النفقات الجارية بحوالي 80 % كمعدل خلال آخر عشر سنوات، بدلاًً من توجيهها إلى الإنفاق الاستثماري والتطويري. 

الخلاصة هنا، أن السياسات الاقتصادية والتجارية الفلسطينية تتحرك في حيز ضيق، وبخاصة في ظل عدم إتاحة سياسات اقتصادية نقدية بسبب الاتفاقيات الاقتصادية الموقعة، وفي الوقت ذاته عدم قدرة السلطة الفلسطينية على تنفيذ سياسات مالية إنفاقيه أو استثمارية أو )ضريبية غير مباشرة( الأمر الذي عمّّق التشوهات الهيكلية وتأثيراتها السلبية، بسبب عدم قدرة السلطة على تغيير هذا الواقع، لفقدانها السيطرة على جزء مهم من أدوات السياسات الاقتصادية )المالية والنقدية والتجارية(، وكذلك على معابرها ومواردها الطبيعية. 

بعد السابع من أكتوبر )حرب الإبادة والتطهير العرقي( زادت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تعقيداًً، وزاد تقلص حيز السياسات الاقتصادية، وأصبحت المؤشرات الاقتصادية أكثر رعباًً، وبخاصة على صعيد الفقر والبطالة، وتراجع الناتج المحلي الإجمالي، وكذلك زادت القيود على حركة الاستيراد والتصدير، وتراجعت القاعدة الإنتاجية الفلسطينية، كما تراجعت المساعدات الخارجية للخزينة الفلسطينية. وأصبحت الاستجابة الحكومية لكل هذه الصدمات ضعيفة، وبخاصة في ظل قرصنة أموال المقاصة، وتراجع حصيلة الإيرادات العامة، وبسبب تضييق الخناق على الضفة الغربية وعزلها ضمن كانتونات محددة، مع استمرار هجمات المستوطنين. ويمكن اختصار الوضع الاقتصادي والاج تماعي الحالي بما يلي: 

-كارثة إنسانية وبيئية واجتماعية واقتصادية وتشوه بنيوي في اقتصاد قطاع غزة.
-انهيار شبه كامل للأنشطة الاقتصادية كافة في قطاع غزة، أدى إلى تراجع حاد في الاقتصاد الفلسطيني.
-انخفاض حاد في مستوى الاستهلاك في فلسطين، وهو ما زاد من معدلات الفقر في فلسطين.
-ارتفاع حاد في معدلات البطالة في قطاع غزة لتتجاوز 90 %، بعد أن كانت 45 % في الربع الثالث من العام 2023 ، ما أدى إلى ارتفاع معدل البطالة في فلسطين.
-ارتفاع حاد في مستوى الأسعار، وارتفاع غير مسبوق في مستويات الفقر في الأراضي الفلسطينية كافة.
-ترا جع حاد في المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، كافةً، في فلسطين.


يرى البعض أنه لا يوجد مناص أمام صانع القرار الاقتصادي الفلسطيني سوى التعاطي والتعايش مع نتائج فقدان السيطرة على هذه الأدوات ضمن منظومة الواقع الاحتلالي. ويرى البعض الآخر أن المشكلة الأساسية تكمن في النموذج التنموي الفلسطيني الذي تطبقه السلطة والمانحون، والذي يتوافق مع عملية سلام أوسلو. الاحتلال الإسرائيلي عامل خارجي خارج السيطرة والتحكم، وبالتالي يكون التحرك التنموي ضمن الحيز المتاح، ولهذا تبرز فكرة أن التنمية تحت الاحتلال غير ممكنة، ويبدو ذلك حقيقة وواقعاًً صحيحاًً. ولكن هذا كله لا يعفينا من المضي قدماًً في تحقيق أكبر قدر ممكن من المصالح الاقتصادية الفلسطينية، وعدم الاستسلام للسياسات الاحتلالية. لذلك، لا بد من المجابهة والتغيير، ولكن بشكل جماعي وتشاركي، فالوضع الاقتصادي الموضح أعلاه، لا يمكن معالجته بسهولة، وبحاجة إلى سياسات اقتصادية واجتماعية موجهة ومتوافق عليها، وهذا شأن داخلي فلسطيني يمكن العمل عليه للتخفيف من حدة العوامل الخارجية. 

لمجابهة ما تقدم أعلاه، لا بد من بناء توافق شامل بين أقطاب الاقتصاد الفلسطيني كافة؛ من قطاع عام، وقطاع خاص، وقطاع أهلي، وذلك لا يتم إلا عبر شراكة فلسطينية حقيقية لصناعة السياسات الاقتصادية الفلسطينية، التي تراعي المسار التنموي الاقتصادي والاجتماعي، وبذلك تكون مسؤولية إحداث تنمية فلسطينية على عاتق الأقطاب كافة. فمن غير المنطقي أن تكون جهة واحدة )القطاع العام( هي من يتحمل عبء السياسات الاقتصادية التنموية، في الوقت الذي يسعى ويرغب فيه كل من القطاعين الخاص والأهلي إلى لعب دور في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وهنا تكمن المشكلة الأساسية في المجتمع الفلسطيني؛ وهي أن صناعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية فيما يتوفر من هوامش، لا تتم بشكل تشاركي وتوافقي بين الأطراف كافة. وبالتالي، يجب اعتماد نسق تنموي جديد، وبسياسات مختلفة عن السابق، أو تنفيذ ما تم اقتراحه سابقاًً في الحوار الوطني ما بين القطاعين العام والخاص العام 2014 ، وتوصيات مؤتمر ماس العام 2017 بخصوص السياسات الاقتصادية، وإشراك القطاعين الخاص والأهلي في صنع السياسات الاقتصادية القادرة على تحقيق الاعتماد على الذات، والحد من معضلة الفقر والبطالة، وتحسين المؤشرات الاقتصادية كافة، ومواجهة سياسات الاحتلال. 

لذلك كله، ستناقش هذه الورقة أفضل السبل المتاحة أمام الاقتصاد الفلسطيني في صناعة سياساته الاقتصادية، وذلك ضمن إطار الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وبمساندة ومشاركة القطاع الأهلي أيضاًً، وذلك دون الخوض في تفاصيل المشاريع المستهدفة، وآليات التطبيق، حيث سيتم التركيز على مناقشة مجالات الشراكة الموسعة المطلوبة.

مرفقات
الورقة الخلفية: صناعة السياسات الاقتصادية في فلسطين: الشراكة بين القطاعين العام والخاص