دعوة لإعلان الحرب على الرأسمالية - بقلم: جوزيف ستيغلتس، حائز على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية

11 نوفمبر 2021

 دعوة لإعلان الحرب على الرأسمالية

بقلم: 
جوزيف ستيغلتس، حائز على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية 
 منذ العام 2009 ومعهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني ماس يعقد محاضرة يوسف صايغ التنموية، إحياء لذكرى البروفيسور يوسف عبد الله صايغ (1916-2004) ودوره الرائد في دراسات التنمية والتطوير للاقتصاد الفلسطيني، ويركز المعهد في كل عام على موضوع مهم ومرتبط بالوضع الاقتصادي الفلسطيني، محاضرة هذا العام يقدمها البروفيسور جوزيف ستيغلتس الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، وتتمحور حول التنمية في ظل الصعاب: التحدي العالمي. 
 في هذا المقال يقدم ستيغلتس قراءته لكتاب صدر عن البروفيسورة مريانا مازوكاتو "التي قدمت أيضاً محاضرة يوسف صايغ التنموية 2020" في كتابها الجديد "اقتصاد المهمة: دليل الرحلة إلى القمر لتغيير الرأسمالية".
تواكب ماريانا مازوكاتو روح عصر ما بعد الجائحة قائلة: نأمل أن يكون العلم قد قهر جائحة الكورونا وأنه كان للحكومة دور مركزي في تحقيق هذا الانتصار - من   خلال الاستثمار في العلوم الأساسية التي مكنت العلماء من الوصول سريعا للتوصيف الجينومي لفيروس SARS-CoV-2 وهو الفيروس المسبب لكوفيد-19، وتطوير لقاحات كورونا، والمساهمة في تمويل إنتاج اللقاحات بأعداد ضخمة وتوزيعها. الآن، بدأت العديد من البلدان التخطيط للتعافي من الجائحة. في الولايات المتحدة الأمريكية، على سبيل المثال، تهدف إدارة الرئيس جو بايدن إلى معالجة العجز الهائل والطويل الأمد في البنية التحتية، والحد من الفقر بين الأطفال بنحو 50٪، وإحراز تقدم  ملموس على طريق  التحول نحو الاقتصاد الأخضر.
بالطبع، يشير منتقدو الحكومة إلى الحالات التي دعمت فيها الحكومة الخاسرين. لكن ليس من المستغرب أن يتجاهل هؤلاء النقاد الإخفاقات العديدة في القطاع الخاص. في الواقع، في القطاع الخاص يتم الإشادة بمثل هذه المحاولات باعتبارها دليلاً على المجازفة وإن أخفقت–فإن لم نجازف، لن نفوز بشيء. لكن نفس الحجة تنطبق بالضبط على القطاع العام: إذا لم تكن هناك إخفاقات، فهذا يعني أن الحكومة لم تكن تخاطر كفاية. ما يهم هو متوسط العائد، وفي البحث والتطوير، يمكن لبعض النجاحات الكبيرة مثل اختراع الإنترنت واكتشاف الحمض النووي أن تعوض عن الكثير من الإخفاقات السابقة. في الواقع، متوسط العائد على البحث والتطوير الحكومي أعلى بكثير من عوائد الاستثمارات الخاصة. كما تشير مازوكاتو، لم تكن الحكومة في كثير من الأحيان (كما في حالة شركة تسلا) ذكية في ضمان اقتناص الفرص الواعدة لصالح القطاع الحكومي وللعامة، ولكن هذه مسألة مختلفة تماما عن اختيار الفائزين. وقد كتبت هذه السطور الملهمة في الكتاب قائلة:
"ماذا لو تحملت الحكومة أعلى مستوى من التقلبات وأصلحت تنظيمها الداخلي لتتحمل مثل هذه المخاطر، بدلاً من أن يُنظر لها على أنها بطيئة وغير كفؤة في الوقت الذي يتحمل فيه القطاع الخاص المخاطر ؟ تخيل التحول: من كونها إدارة بيروقراطية من أعلى إلى أسفل لتصبح أداة تستند للأهداف لتحفيز الأفكار الجديدة من الأسفل إلى الأعلى. تخيل أن الحكومة تحولت في جميع المجالات، بدءاً من كيفية تنفيذ المشتريات، إلى كيفية تقديم المنح البحثية، إلى كيفية هيكلة القروض العامة وفهم التكاليف والموازنة- كل ذلك لتحقيق الصالح العام. إذا تمكنا من التفكير بهذه الطريقة والتصرف بناء على ذلك، سيمكننا تحقيق رؤية جديدة للمدن المستدامة أو خلق استثمارات تجارية في البنية التحتية الاجتماعية وابتكارات الرعاية الصحية المطلوبة لمفهوم جديد من الرفاهية، أو مواجهة أصعب تحديات عصرنا مثل تغير المناخ والأوبئة الصحية ".
إحداث هذا التغيير في مجتمعنا ما هو إلا رحلة نحو القمر - وسيتطلب إنجاحها مساهمة مجتمعنا بأسره
بما أنني كنت أعمل في الحكومة وكنت مستشارا لعدة حكومات، فهذه رؤية رأيتها من قبل. التحدي هو كيفية تحقيق هذه الرؤية. فلا يكفي مجرد الرغبة أو تمني ذلك - أو التعبير عنها بوضوح -. هناك قوى سياسية واقتصادية متجاذبة، ودون معالجتها سيكون من الصعب تحقيق هذه الرؤية. ربما كان من المفيد، على سبيل المثال، لو وضحت مازوكاتو أكثر سبب حاجتنا إلى دخول الحكومة إلى مجال الابتكار. يختلف إنتاج المعرفة اختلافا كبيرا عن إنتاج الفولاذ: فالفوائد المهمة للبحث والابتكار والتي تعود على المجتمع كله ليست حصرا على الباحثين ومن يمولون هذه البحوث والابتكارات. بالتالي، كما أوضح الخبير الاقتصادي العظيم كينيث أرو قبل ما يقرب من 60 عاما، فإن الأسواق ليست فعالة سواء في إنتاج أو استخدام المعرفة. ويعود فشل ذلك إلى أمرين؛ مستويات الاستثمار والتوجهات البحثية - فنحن بحاجة إلى مزيد من البحث حول كيفية إنقاذ الكوكب والبحث بدرجة أقل في محاولة التقليل من العمالة غير الماهرة.
تتجاهل مازوكاتو إلى حد كبير الخيارات الصعبة التي يتعين على المجتمع أن يواجهها بالضرورة. من المفترض أن يكون علم الاقتصاد هو علم الندرة. ومما يثير القلق أحيانًا أنها لا تدرك محدودية الموارد وأننا مضطرون لاتخاذ  هذه الخيارات الصعبة. صحيح أنه في كثير من الأحيان خلال الأربعين عاما الماضية، تحديدا خلال حقبة الليبرالية الجديدة، كان الاقتصاد يُدار بطرق كانت فيها الموارد الشحيحة – وأهم هذه الموارد كان العمالة- بعيدة كل البعد عن توظيفها بشكل كامل. حتى رأس المال يبدو أنه لم يتم استغلاله بشكل كافٍ، وهو ما أكده بن برنانكي، الرئيس السابق للمجلس الاحتياطي الفيدرالي، عندما تحدث في عام 2005 عن تخمة في الادخار.
لكن تلك الحقبة ربما تقترب من نهايتها، على الأقل في الولايات المتحدة. وهو ما يظهر في الإنفاق الهائل للبلاد على خطط الاستجابة لجائحة كورونا، والتي تصل لحوالي 25٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وما سيتبعه - إذا نجحت هذه السياسة - بتريليونات الدولارات للبنية التحتية، وخلق اقتصاد أخضر، والبحث والتطوير، والتصدي للفقر. من المرجح أن تشتد الصعوبات في أسواق العمل وترتفع أسعار الفائدة. حتى لو كان هذا الإنفاق على المدى الطويل في الاستثمارات الإنتاجية – وهو ما سيؤدي لزيادة العرض في النهاية – إلا أن الموارد الآن محدودة. هل ينبغي أن ننفق المزيد من مواردنا المحدودة لإرسال الناس إلى القمر مجددا (وهو ما تستعد الولايات المتحدة لفعله الآن) أم علينا بدلا من ذلك أن نحاول القضاء على فقر الأطفال؟ هل يجب علينا التأكد أن جميع مواطنينا لديهم غذاء كافي ويحصلون على الرعاية الصحية؟ 
كمجتمع، علينا أن نوازن بين الاستهلاك الحالي والاستهلاك المستقبلي – كم يجب أن نستثمر؛ وعلينا أن نوازن بين ما يتم عمله في مختلف قطاعات الاقتصاد. أيا كان قرارنا، سيتبقى للقطاع العام موارد محدودة، ولن يستطيع القيام بكل شيء. سيتعين عليه اتخاذ قرارات، بعضها غير سار. شئنا أم أبينا، بمجرد أن نصل إلى الاستخدام الكامل للموارد، فإن أي دولار يتم إنفاقه الآن لإرسال شخص آخر إلى سطح القمر هو دولار لم يتم إنفاقه على هذه الاحتياجات الحيوية.
ما يجب آلا يحتاج لتفكير منا هو: كيف نضمن الوصول العادل لكل إنسان في هذا العالم للقاحات كورونا. حيث تواجه البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط نقصا هائلاً في اللقاحات. توقعت غرفة التجارة الدولية خسائر تبلغ 9.2 تريليون دولار أمريكي، أو ما يعادل نصف ما تتحمله الدول الغنية، إذا لم تحصل البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل على اللقاحات. بحلول أوائل نيسان 2021، وصلت أكثر من 38 مليون جرعة إلى أكثر من 100 اقتصاد. قد يبدو هذا الرقم كبيرا حتى يرى المرء أن الولايات المتحدة وحدها تدير 2 إلى 3 ملايين جرعة يوميا. وهناك خطر الإصابة بطفرات فيروس SARS-CoV-2، وبعضها أشد فتكا من كورونا مما أوجد نوعا من الشك بفعالية لقاحات كورونا ضدها. على الصعيد العالمي، هناك نقص في لقاح كورونا وتذهب معظم جرعات اللقاح إلى البلدان الغنية. من الواضح أن أحد الحلول الممكنة زيادة الإنتاج، لكن حقوق الملكية الفكرية تعد أحد العوائق الرئيسية أمام هذا السبيل. إذا تنازلت منظمة التجارة العالمية عن حماية هذه الحقوق، فسيحدث ذلك فرقا هائلاً. ومع ذلك، فقد قاومت بعض البلدان ذات الدخل المرتفع منذ فترة طويلة المبادرات في منظمة التجارة العالمية بدعم من أكثر من 100 دولة للتنازل عن حقوق الملكية الفكرية. مما تطلب حملة عالمية منسقة بشكل جيد حتى يتسنى البدء بمفاوضات هادفة بشأن التنازل. من المؤشرات على إمكانية تحقيق انتصار في هذه "الرحلة الصعبة" أن إدارة الرئيس بايدن باتت الآن تدعم الشروع في المناقشات حول التنازل المؤقت. لكن قواعد اللعبة مختلفة تماما عن الإنجاز السابق الذي حققناه بذهابنا إلى القمر – فحينها كنا غير واثقين من نجاحنا.
إن الشركات قصيرة النظر التي تركز على هدفها النهائي، مستعدة للتضحية بأرواح الكثيرين لتزيد من أرباحها  وهو ما يظهر أن هناك الكثير مما يمكننا فعله لخلق رأسمالية بوجه إنساني. فصعوبة إحراز تقدم سريع في حل ما يجب أن تكون مشكلة غير معقدة نسبيا يؤكد أن تغيير الرأسمالية أصعب بكثير من إرسال شخص ما إلى سطح القمر. فتغيير الرأسمالية - مثل العديد من الأفكار الأخرى البعيدة المنال التي يجب أن يستهدفها مجتمعنا – يتطلب أكثر من مجرد تطلعنا لذلك. نحن نعلم أن الشركات يجب أن تفكر على المدى الطويل، ويجب أن تركز على أكثر من مجرد الأرباح قصيرة الأجل، ويجب أن تقوم بتحسين أدائها في إدارة المخاطر. لكن تغيير سلوكها يستلزم أكثر من معرفتها بما يجب عليها فعله.
ما يحتاجه العالم هو أجندة عملية لكيفية إحداث هذه التغييرات، بما في ذلك مراجعة القوانين التي تحكم الاقتصاد وإعادة توازن الأدوار التي يلعبها السوق والدولة والمؤسسات المجتمعية الأخرى؛ واستراتيجية سياسية لتحقيق ذلك. إن التغيير السياسي المنشود شرط ضروري لتحقيق هذا الهدف، لأننا لن نكون قادرين على القيام بالمهام الصعبة والمتعددة التي يتطلبها ذلك دون الإيرادات العامة للتحضير للوباء القادم، ومعالجة تغير المناخ، والقضاء على فقر الأطفال. للحصول على هذه الإيرادات، سنحتاج إلى زيادة الضرائب على الشركات والأفراد ذوي الدخل المرتفع، على غرار مقترحات بايدن الأخيرة. ولكن مع النفوذ الواسع الذي يحظى به أصحاب المال وتأثيرهم على السياسة سيكون ذلك صعبا. وهذا هو السبب في أن الحق في التصويت وتأثير الأثرياء في الولايات المتحدة قد أصبح من القضايا  محل الاهتمام. فأصحاب الفكر السياسي اليميني، يحملون رؤية مختلفة تماما للمجتمع عن رؤية مازوكاتو، يفعلون ما في وسعهم لقمع حقوق التصويت وتعزيز تأثير المال. 
أما التقدميون أصحاب الفكر السياسي اليساري، فيرون أن هذه اللحظة مركزية/مصيرية يمكنها أن تغير السياسة، وإذا حدث ذلك قد يحدث الكثير من التغيير، بما في ذلك النظام الاقتصادي. لن يكون النظام الاقتصادي الجديد هو الرأسمالية التي اعتدنا عليها - مع البنوك المنخرطة في الإقراض المفترس، وشركات الأدوية التي تسعى للربح، وشركات الأغذية والمشروبات التي تنتج المنتجات التي يمكن أن تؤدي إلى أمراض السكري في مرحلة الطفولة وغيرها، وشركات الفحم والنفط التي تدمر البيئة. سيستلزم كل هذا التغير وضع مجموعة أوسع من الترتيبات المؤسسية موضع التنفيذ، حيث تعمل التعاونيات والمنظمات غير الربحية جنبا إلى جنب مع الشركات الخاصة الكبيرة والصغيرة والحكومات على كل المستويات.
إحداث هذا التغيير في مجتمعنا ما هو إلا رحلة نحو القمر - وسيتطلب إنجاحها مساهمة مجتمعنا بأسره. أرى اقتصاد المهمة جزءا من تلك العملية، إيقاظا لإمكانيات ما قد يكون، بما في ذلك الأدوار التي يمكن أن تلعبها دولة جريئة وسوق تم إصلاحه. أراه دعوة لخوض صراع أكثر منها دليلا لتغيير الرأسمالية، وهي في الوقت المناسب. 
جوزيف ستيجلتز، جامعة كولومبيا، نيويورك، نيويورك 10027، الولايات المتحدة الأمريكية