معهد ماس يفتتح سلسلة طاولاته المستديرة لهذا العام بمناقشة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في مسودة الدستور المؤقت لدولة فلسطين

16 نيسان 2026

الأربعاء 15 نيسان، 2026

عقد معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس) لقاء الطاولة المستديرة الأول لهذا العام 2026 لمناقشة "الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في مسودة الدستور المؤقت لدولة فلسطين من منظور مقارن"، وذلك وجاهياً في مقر المعهد وعبر تقنية الزووم. وقد أعد الورقة الخلفية المحامي د. محمود أبو صوي، المحاضر في القانون الدستوري، فيما قدم كل من السيد رجا الخالدي الباحث في التنمية الاقتصادية الفلسطينية، ود. عمار دويك عضو لجنة صياغة الدستور المؤقت، والسيد بسام الصالحي عضو لجنة صياغة الدستور المؤقت مداخلاتهم وتعقيباتهم على الورقة.

وفي مستهل اللقاء، رحب المدير العام لمعهد ماس بالمشاركين من خبراء وممثلين عن مختلف القطاعات، ومؤكداً على الأهمية الكبيرة لمناقشة مسودة الدستور المؤقت لدولة فلسطين.

قدم أبو صوي في عرضه للورقة تحليلاً شاملاً للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في مسودة الدستور الفلسطيني للعام 2026، وأوضح أن المسودة تتبنى نهجاً أكثر شمولاً وتقدماً في مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالمقارنة مع القانون الأساسي لعام 2003، من خلال الاعتراف الصريح بهذه الحقوق. وأوضح أن الدستور يكفل مجموعة واسعة من الحقوق، أبرزها ضمان فرص عمل لائقة بشروط صحية وأجر عادل ومتساوٍ، والحق في التعليم الإلزامي والمجاني وضمان تكافؤ الفرص في التعليم العالي، إلى جانب كفالة استقلال المؤسسات الأكاديمية والحريات البحثية، والحق في الصحة الجسدية والنفسية وتقديم العلاج المجاني

للفئات محدودة الدخل، والحق في السكن ومستوى معيشي لائق، والحق في المياه والبيئة، إلى جانب حماية الفئات ذات الأوضاع الخاصة مثل الأطفال وذوي الإعاقة وكبار السن والأسر الأكثر احتياجاً. وبين أن هذه المنظومة الحقوقية تعكس توجهاً واضحاً نحو ترسيخ نموذج الدولة الاجتماعية التي توازن بين الحريات الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.

أبرز التحولات في معالجة الحقوق مقارنة بالقانون الأساسي:

كما أبرز الباحث أبرز التحولات في معالجة الحقوق مقارنة بالقانون الأساسي. فالمسودة تظهر توجهاً عملياً من خلال ربط الحقوق بالتزامات تنفيذية تلزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة لضمان إعمالها، في بعض الحالات تدريجياً، من خلال تبني سياسات اجتماعية واقتصادية عادلة. وإلى جانب ذلك، وسع الدستور من نطاق الحقوق ليشمل مجالات جديدة لم تكن منصوصاً عليها سابقاً بشكل مباشر، مثل الحق في المياه والصحة النفسية وممارسة الرياضة، إلى جانب تطوير بعض الحقوق القائمة. ويبرز كذلك توجه الدستور نحو تعزيز البعد الاجتماعي للنظام الاقتصادي وعلى رأسها منع احتكار السلع والخدمات الأساسية، وربط النظام الاقتصادي بمبادئ الاقتصاد المختلط والعدالة الاجتماعية. كما يكرس الدستور توجهاً عاماً يقوم على تعزيز العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة، من خلال ربط عدد من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالسياسات العامة.

كما أشار الباحث إلى المعايير الدولية والتجارب المقارنة خاصة المعايير الأساسية الواردة في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبعض الدساتير الوطنية (جنوب أفريقيا، ومصر، وتونس)، التي تبنت مبدأ التنفيذ التدريجي للحقوق وفق الإمكانيات المتاحة، وإيلاء اهتماماً خاصاً بحماية الفئات الأكثر عرضة للانتهاك، مثل الأطفال وذوي الإعاقة وكبار السن.

ومن التحديات التي أشار لها الباحث في مسودة الدستور وجود عدد من الأمور الجوهرية التي قد تؤثر على فعالية هذه الحقوق ومدى إلزاميتها، ويتمثل أبرزها في ضعف آليات الإنفاذ القضائي والمساءلة، إلى جانب غياب التحديد الواضح للالتزامات المالية المرتبطة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية. كما أن هناك محدودية في الربط بين الحقوق والسياسات العامة، إلى جانب الخلط البنيوي وتشتت الحقوق وصعوبة التمييز بين الحريات الاقتصادية والطموحات، وأكد أبو صوي على الحاجة إلى تحديد أوضح للمسؤوليات المؤسسية وتعزيز آليات التنسيق بين الجهات المختلفة لضمان تنفيذ هذه الحقوق بشكل فعال.

تقدم الباحث بثلاثة مسارات رئيسة للتعامل مع هذه التحديات، تبدأ بالإبقاء على النصوص الحالية مع ترك التنفيذ للتشريع العادي، إلى جانب تعزيز وإعادة تنظيم النصوص الدستورية للحريات وللحقوق الاقتصادية والاجتماعية بشكل أكثر وضوحاً ومنطقية، مع تحديد التزامات واضحة على الدولة، وصولاً إلى ربط الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالسياسات المالية والتنموية لضمان التطبيق العملي.

واختتم الباحث أبو صوي عرضه بجملة من التوصيات التي من شأنها ربط الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالسياسات التنموية والخطط الوطنية بما يحقق تكاملاً بين الاعتراف الدستوري والتنفيذ العملي، إلى جانب تطوير آليات المساءلة والإنفاذ القضائي، وتعزيز الالتزامات المالية الدستورية، كما شدد على ضرورة فصل الحريات الاقتصادية عن الحقوق الاجتماعية وتوضيح طبيعتها البنيوية، وتوضيح المسؤوليات المؤسسية والتنظيمية وآليات التنسيق بين الجهات المعنية بما التطبيق العملي مع وضع آليات متابعة لتقييم فعالية التنفيذ عبر الجهات المختصة.

وفي تعقيبه على الورقة، شدد الخالدي على ضرورة التمييز الواضح بين الحريات الاقتصادية والحقوق الاجتماعية، مؤكداً أن الخلط بينهما يضعف من وضوح مسودة الدستور. واقترح في هذا السياق تفكيك المادة (41) وإعادة توزيع مضامينها، بحيث تدرج الحريات الاقتصادية بشكل مستقل، إلى جانب الحقوق الاجتماعية. كما أشار إلى أنه لا يمكن للدستور أن يحدد طبيعة السوق أو يشرع لها بشكل مباشر. وأكد على أهمية صياغة دستور مؤقت في ظل دولة تحت الاحتلال، مبيناً أنه رغم محدودية السيادة، فإن هذا الدستور يعد تعريفاً للمشروع الوطني، ويمكن أن يشكل رؤية جامعة.

فيما أشار دويك إلى أهمية مناقشة الموضوع، لافتاً إلى أن مسودة الدستور لم تناقش سابقاً بهذا العمق والتحليل. وأوضح أن اللجنة المكلفة بصياغة الدستور منحت ثلاثة أشهر لإنجازه، مؤكداً أنها ستعمل على دراسة كافة الملاحظات والمقترحات المقدمة. كما أعتبر أن نموذج جنوب افريقيا يعد الأقرب إلى الحالة الفلسطينية، خاصة فيما يتعلق بالتدابير التي تكفلها الدولة لضمان الحقوق. وأوضح أن المادة (41) تمثل مبدأً أو سياسة عامة وليست حقاً بحد ذاته، ويفترض أن ترد في مقدمة الدستور.

بدوره، أكد الصالحي على ضرورة الانطلاق في النقاشات مما هو قائم، مشدداً على أهمية تحقيق وضوح أكبر في التمييز بين الحريات الاقتصادية والحقوق الاجتماعية ضمن النص الدستوري. ودعا إلى وضع إطار عام ومحدد لهذه الحقوق في الدستور، بما يضمن عدم تعرضها للتدخلات الخارجية. كما أشار إلى أهمية الاستفتاء، لافتاً إلى أن اللجنة الدستورية تستقبل كافة الملاحظات والمقترحات.

وأكد الحضور في مداخلاتهم على أن دور الدولة يعد عنصراً أساسياً في تحديد الحقوق وضمان إنفاذها، كما أشاروا إلى أن التعريفات الواردة لا تزال فضفاضة وتحتاج إلى مزيد من التحديد والدقة. كما أشاروا إلى غياب النصوص المتعلقة بحق التقاضي، أو غموضها، في مجال الحقوق الاقتصادية، مؤكدين على أهمية أن يكون الدستور متوائماً مع الظروف المتغيرة التي تعيشها فلسطين، بما يعزز من مرونته وقدرته على الاستجابة للتحديات الراهنة والمستقبلية.