حوار مع جمانة جنازرة: المناطق الصناعية الإسرائيلية في الضفة الغربية بين السيطرة والإخضاع

28 كانون الثاني 2026

 

مصدر الخبر: عرب 48 


تؤكد الباحثة جمانة جنازرة أن المناطق الصناعية الإسرائيلية في الضفة الغربية تجمع بين الاستغلال الاقتصادي للموارد والأيدي العاملة الفلسطينية، وبين ترسيخ الوجود الاستيطاني وتهويد الأرض.

في دراسة حول الآثار الاقتصادية للمناطق الصناعية الإسرائيلية في الضفة الغربية، نُشرت ضمن ملف خاص عن الاستيطان في العدد الأخير من مجلة "عمران" الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، يتناول الباحثان وليد حباس وجمانة جنازرة هذه المناطق بوصفها مركّبًا استيطانيًا يتجاوز المنطق الربحي إلى وظيفة استعمارية تهويدية، تسعى إلى الدمج بين السيطرة الجغرافية والإخضاع الاقتصادي.

ويشير ذلك إلى تحوّل هذه المناطق إلى مكوّن أساسي من المشروع الاستيطاني الأوسع، إذ تجمع بين استغلال الموارد والأيدي العاملة الفلسطينية اقتصاديًا، وترسيخ الوجود الاستيطاني وتهويد الأرض.

وترصد الدراسة، استنادًا إلى تقارير مراقب دولة الاحتلال الإسرائيلي، وجود 35 منطقة صناعية إسرائيلية في المناطق المصنّفة "ج" من أراضي الضفة الغربية، جرى تأسيس ستٍّ منها في أواخر سبعينيات القرن العشرين وأوائل الثمانينيات، ثم تطورت تدريجيًا بفعل تضافر عملية "الأسرلة" الزاحفة لمناطق "ج"، وإحاطة الاستيطان المدني ببنى تحتية صناعية ولوجستية، إلى جانب الدور الذي لعبه رأس المال الصناعي والتجاري الإسرائيلي، الذي وجد في الضفة الغربية بيئة حاضنة وملائمة من حيث الأراضي منخفضة التكلفة، والأيدي العاملة الرخيصة والمنقادة، ومنظومة القوانين والتسهيلات التي لا تتوفر له داخل دولة الاحتلال الإسرائيلي.

وترتبط، وفقًا للدراسة، عملية ترويج الحكومة الإسرائيلية لما يُسمّى المناطق الاقتصادية "الدولية" في الأرض الفلسطينية المحتلة ارتباطًا وثيقًا باستغلال العمالة الفلسطينية. فمنذ احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، سعى الاحتلال الإسرائيلي إلى دمج الاقتصاد الفلسطيني في منظومته الاقتصادية، وهو ما تعمّق بشكل ملحوظ بعد توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993، ما أدى إلى خضوع الاقتصاد الفلسطيني لاقتصاد الاحتلال، ونشوء نشاط اقتصادي فلسطيني هشّ لا يستطيع توليد فرص عمل كافية لمواطنيه، الأمر الذي دفع أعدادًا كبيرة من الفلسطينيين إلى البحث عن عمل في إسرائيل أو في المستوطنات الإسرائيلية والمناطق الصناعية.

وفي هذا السياق، تفيد الدراسة بأنه من بين 40 ألف عامل فلسطيني كانوا يعملون في مستوطنات الضفة الغربية قبل اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، كان نحو 17 ألف عامل يعملون داخل المناطق الصناعية الإسرائيلية. وبعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، تراجع العدد الإجمالي إلى نحو 25 ألف عامل، فيما انخفض عدد العاملين في المناطق الصناعية المذكورة إلى نحو 14,500 عامل.

أما على الصعيد البيئي، فتشير الدراسة إلى آثار مدمّرة لهذه المناطق الصناعية على التجمعات الفلسطينية المحيطة بها، لا سيّما أن العديد من المصانع العاملة فيها تُنتج صناعات محظورة داخل دولة الاحتلال الإسرائيلي، مستغلة غياب القيود البيئية، ما يتسبب بأضرار جسيمة تلحق بالإنسان والنبات والحيوان.

وتُبرز الدراسة بشكل خاص مسألة تصريف النفايات الصناعية غير المعالجة، بما في ذلك المواد السامة، التي تؤدي إلى تلوث شديد في التربة والمياه والهواء.

وفي هذا السياق، تورد الدراسة أنه في عام 1998 وحده، أنتجت المصانع في المنطقة الصناعية "بركان" ما يُقدَّر بنحو 810 آلاف متر مكعب من مياه الصرف الصناعي، التي تدفقت دون معالجة إلى الأراضي الزراعية القريبة التابعة لقرى سرطة وكفر الديك وبروقين.

وفي الختام، تخلص الدراسة إلى أن المناطق الصناعية الإسرائيلية المقامة على أراضي الضفة الغربية المحتلة ليست مشاريع ربحية فحسب، بل تُعدّ أيضًا أدوات استعمارية يتغلغل تأثيرها في المجتمع الفلسطيني، ويؤثر في أنماط حياته من خلال تحديد الخيارات الاقتصادية المتاحة أمامه، إذ يجري تصميم هذه المناطق لتكون بعيدة عن أي سيادة فلسطينية، ومرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالاقتصاد الإسرائيلي، بما يعزّز تبعية الاقتصاد الفلسطيني ويقوّض قدرته على الاستقلال.

جمانة جنازرة: باحثة في معهد السياسات الاقتصادية - "ماس".