غزة: من التنمية العكسية إلى التنمية المستحيلة والتدمير - آدم توز

20 تشرين الأول 2025

 

بقلم

آدم توز

نُشرت هذه المقالة لأول مرة في 14 تشرين الأول 2023 في "الكتاب البياني- رسالة إخبارية من أدم توز" ويعاد نشرها في هذا الملخص بإذن من المؤلف. أدم توز هو مؤرخ بريطاني وهو أستاذ في جامعة كولومبيا (يشغل كرسي شيلبي كولوم ديفيس للتاريخ) ومدير المعهد الأوروبي.

 

تمهيدا لشن عملية عسكرية انتقامية واسعة النطاق للقضاء على حماس، أصدرت إسرائيل أوامرها لسكان شمال غزة بالإخلاء. بالفعل، قام جيش الدفاع الإسرائيلي بتحذير 1.1 مليون شخص من الدمار الذي يوشك أن يحل بالمنطقة. وبصرف النظر عن السؤال العملي والإنساني حول المكان الذي يفترض أن يقصده هذا العدد الهائل من الناس وكيف يمكنهم الحصول على أودهم، يبقى السؤال الذي علينا مواجهته: أي نوع من الأماكن هي غزة، التي هي عرضة لمثل هذه الأوامر؟ كيف يمكن التخلص من منطقة يسكنها أكثر من مليوني شخص بهذه الطريقة؟ لماذا لا يوجد هناك مصالح قوية تقف في وجه هذا المنطق عديم الرحمة لحملة عسكرية تحدد مدينة هدفا للتدمير بهذه البساطة؟ كيف أصبحت غزة وشعبها معزولين إلى هذا الحد، ومستهدفين كليا؟

  1. لم تكن غزة دوما على هذا الشكل

 لتمتعها بموقع جيد شرقي البحر الأبيض المتوسط، كانت غزة منطقة معمورة بالبشر لأكثر من 5,000 عام. كما كانت محطة للتجار والمسافرين ما بين قارتي إفريقيا وآسيا، وقد ورد ذكرها في العهد القديم بكل وضوح. وكانت غزة إحدى المدن الخمس المكونة لفلسطيا التاريخية الممتدة على طول السهل الساحلي. وقد زارها الملك داود والإسكندر الأكبر. وبعد وقوع فلسطين تحت الحكم العثماني في العام 1516، كانت غزة ساحة معركة هامة في الصراع من أجل السيطرة على فلسطين في الحرب العالمية الأولى. ولم يتمكن البريطانيون من الاستيلاء عليها إلا بعد ثلاث معارك كبرى في العام 1917.

في عهد الانتداب، وخلال أعمال الشغب التي وقعت العام 1929، تم إجلاء التجمعات اليهودية الصغيرة المستقرة منذ زمن طويل في غزة إلى تل أبيب خوفا من مذبحة. وفي العام 1948، ومع انسحاب البريطانيين، احتل الجيش المصري الشريط الساحلي المحيط بغزة. وكان عدد سكانها في ذلك الوقت يقارب 80 ألف فلسطيني، يتوزعون في أربع بلدات صغيرة: غزة، ودير البلح، وخان يونس، ورفح. وفي غضون أسابيع، أصبح هذا القطاع الصغير من الأراضي ملجأً لأكثر من 150 ألف لاجئ فروا من القرى والبلدات في جنوب فلسطين هربا من التطهير العرقي الذي تمارسه الهاغاناه. وهو ما أدى لتضاعف عدد سكان القطاع لثلاثة أضعاف وظهور غزة كما نعرفها اليوم، ملاذاً مكتظاً باللاجئين.

وبعد العام 1948، أنشأت الأمم المتحدة وكالة الأونروا لمساعدة اللاجئين الفلسطينيين في الأردن ولبنان وسوريا والضفة الغربية، وكذلك في غزة. وعلى مدى العقدين اللاحقين بقيت غزة تحت الحكم المصري، ما أتاح لسكانها الوصول إلى مصر للعمل والدراسة.

تبع ذلك حرب العام 1967 والتوسع الكبير للهيمنة الإسرائيلية على سيناء والضفة الغربية. وفق التعداد الإسرائيلي الأول في غزة العام 1967 بلغ عدد سكانها 394 ألف نسمة، نحو 60% منهم على الأقل من اللاجئين. وحتى تتمكن إسرائيل من السيطرة على المنطقة، تبنت سياسة "الجسور المفتوحة" لموشيه ديان. بحيث قلص الجيش من وجوده بالمنطقة وتم تعزيز ارتباط غزة والضفة الغربية قدر الإمكان بالاقتصاد الإسرائيلي. وفي العام 1981، تم إنشاء حدود رسمية ونقاط تفتيش حدودية بين غزة ومصر لأول مرة، تمر عبر مدينة رفح الحدودية. في الوقت ذاته، ونظرا للفرق الكبير في الأجور كان حوالي 45% من القوى العاملة في غزة يعملون في إسرائيل بحلول الثمانينيات.

  1. تاريخ من التبادل اللامتكافئ

نظراً للديناميكية النسبية التي يتمتع بها الاقتصاد الإسرائيلي، انعكس هذا في ارتفاع الدخل في غزة بصورة كبيرة. لكن وفي هذه الفترة تحديدا قامت سارة روي بصياغة مصطلح "التنمية المعاكسة" أو تراجع التنمية (de-development). إذ على الرغم من أن مستوى الدخل في غزة كان آخذاً في الارتفاع، كما أشارت روي في العام 1987، إلا أن غزة لم تكن تتطور أو تنمو. في الواقع، كان يتم العمل بشكل منهجي على تقويض تنميتها، وذلك من خلال جر العمال الفلسطينيين إلى أعمال متدنية الأجر في إسرائيل، ما أدى إلى تقويض قطاع الأعمال الخاص وإضعاف مصالح ملاك الأراضي والطبقة البرجوازية في فلسطين. بين عامي 1970 و1985، حتى مع ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي للضفة الغربية وغزة، ظل إجمالي العمالة في الاقتصاد الفلسطيني في حالة ركود. فقد نتج عن ارتفاع الدخول الحقيقية وركود الإنتاج في الأراضي الفلسطينية عجز تجاري كبير مع إسرائيل.

وقد اتسم هذا التبادل غير المتكافئ إلى حد كبير بالإحباط والاستياء. ففي حين كان سوق العمل للإسرائيليين في الداخل يخضع لأنظمة صارمة تمنح العمال حقوقاً كاملة فرضتها نقابات عمالية قوية، كان العمال الفلسطينيين بمثابة جيش جاهز ورخيص الأجر، يتكون من عمال الاحتياط المحرومين من حقوقهم، الذي يمكن توظيفه أو فصله متى أراد أرباب العمل. ومع الأزمة الاقتصادية التي واجهتها إسرائيل أوائل الثمانينيات، تفاقمت ظروف التمييز وتدني الأجور مما خلف آثاراً بالغة على الطبقة الدنيا الفلسطينية. وفي العام 1987، تفجرت مشاعر الاستياء والحرمان هذه في الانتفاضة الأولى.

في كانون أول 1987، صدمت شاحنة إسرائيلية سيارة تقل عمالاً فلسطينيين في مخيم جباليا للاجئين في غزة، ما أدى إلى مقتل أربعة منهم. ومن ضمن الاحتجاجات والاشتباكات مع الجيش الإسرائيلي التي تلت هذا الحادث، ظهرت موجة جديدة من المواجهات قادرة على تغيير العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية إلى الأبد. بينما قاطع العمال الفلسطينيون إسرائيل في شكل من أشكال الإضراب الوطني، قامت إسرائيل في التسعينيات وبشكل منهجي بتوظيف العمال الأجانب من خارج المنطقة بشكل موسع. حيث قامت مكاتب العمل في رومانيا وتايلاند والفلبين بتوريد قوة العمل الأجنبية التي ارتفع عددها من 20 ألف في العام 1993 إلى 100 ألف بحلول العام 1996. وأصبح بالإمكان الاستغناء عن غزة.

في هذه الأثناء، ظهرت قوى مقاومة جديدة في الأراضي الفلسطينية. في الأيام الأولى من العام 1987، أسس ناشطون محليون في غزة، مرتبطون بجماعة الإخوان المسلمين في مصر، حركة جديدة ليصبح اسمها في أوائل العام 1988 حركة حماس. وفي حين ظلت منظمة التحرير الفلسطينية لعقود من الزمن تقاتل وتفاوض نيابة عن فلسطين، وأصبحت بحلول أواخر الثمانينيات تتطلع إلى تحقيق السلام، كرست حماس نفسها لتدمير إسرائيل وإقامة دولة إسلامية.

مع بدء منظمة التحرير الفلسطينية التفاوض على اتفاقات أوسلو، صعّد مقاتلو حماس هجماتهم وشنّوا حملة تفجيرات لعرقلة عملية السلام. ردت إسرائيل بوضع غزة تحت رقابة مشددة أكثر فأكثر، ما نتج عنه سلسلة جديدة من التناقضات. وفي العام 1994، وتحت رؤية شيمون بيريز حول "الشرق الأوسط الجديد"، بدأ الإسرائيليون والفلسطينيون التفاوض على اتفاقيات باريس الاقتصادية، التي وعدت بالتكامل والتعاون بين الطرفين. ولكن في الوقت نفسه، ورداً على هجمات المقاومة المسلحة، كانت إسرائيل تفرض إجراءات أمنية مشددة وبشكل متكرر توّجت بإغلاق غزة وعزلها عن العالم الخارجي. وبالتوازي مع إبرام الاتفاقيات في العام 1994، بدأت إسرائيل ببناء أول سياج عازل من الأسلاك حول غزة.

أدى اندلاع الانتفاضة الثانية العام 2000 وما رافقها من هجمات انتحارية وحوادث إطلاق نار والرد الانتقامي الإسرائيلي الضخم، إلى إحكام الحصار على غزة وبناء جدار عازل مرتفع حول المنطقة بأكملها. وبعد أشهر قليلة من أحداث 11 أيلول 2001، دمرت إسرائيل هوائيات الرادار الخاصة بمطار غزة الدولي وقصفت مدرجه، وهو مطار افتتح العام 1998 وكان يفترض أن يسمح للفلسطينيين بالوصول إلى العالم الأوسع بعيدا عن سيطرة إسرائيل أو مصر. كما قامت القوات البحرية الإسرائيلية بتضيق الخناق على صناعة صيد الأسماك في غزة، والتي كانت تشكل الدعامة الأساسية لاقتصادها، لمنع تهريب الأسلحة.

على الرغم من كل هذا، إلا أن عزل غزة بشكل كامل لم يحن بعد.

في العام 2005، قامت الحكومة الإسرائيلية بقيادة آرئيل شارون بفك الارتباط عن غزة قسرا، وإزالة المستوطنات التي أقامها المتطرفون اليهود في القطاع. ثم في العام 2006 حققت حماس فوزاً انتخابياً مفاجئاً في غزة، وبعد حرب أهلية ضارية، قامت في العام 2007 بطرد فتح من القطاع. وكان رد إسرائيل، إعلان غزة "منطقة معادية" ووضعها بالكامل تحت الحصار، وهو الوضع المستمر حتى يومنا هذا. خلال السنوات الثلاث الأولى من الحصار، سُمح بمغادرة ما مجموعه 259 شاحنة تجارية من غزة، ما أدى إلى شل صناعاتها التصديرية.

والنتيجة ليست عزل غزة مادياً فحسب، بل أيضاً فرض تباين جذري في النمو الاقتصادي بين غزة والضفة الغربية.

المصدر: صندوق النقد الدولي.

  1. الشعوب الخلاّقة المحاصرة في مثل هذه الظروف المحبِطة ستلجأ إلى مهارب غير عادية

في حين واصلت الضفة الغربية مسار النمو الاقتصادي التبعي (التنمية المعاكسة أو اللاتنمية بحسب تعبير روي)، فإن اقتصاد غزة بالكاد شهد أي نمو منذ التسعينيات، ولم يشهد أي نمو على الإطلاق منذ استلام حماس دفة الحكم في العام 2006. وإذا أخذنا النمو السكاني بعين الاعتبار، فإن هذا يعني أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في غزة اليوم يبلغ نصف ما كان عليه منتصف التسعينيات، وثلث المستوى الذي وصلت إليه الضفة الغربية. كما وصلت معدلات الفقر في غزة إلى أكثر من 50% مقارنة بـ 14% في الضفة الغربية. كما بلغت معدلات البطالة قبل الحرب الجارية نسبة تتراوح ما بين 40 و50%.

***

إن أي شعب خلاّق محاصر في مثل هذه الظروف المحبِطة سيلجأ إلى مهرب غير عادي وحلول مؤقتة. في غزة، كانت حقبة "اقتصاد الأنفاق" المرحلة الأبرز في النضال من أجل البقاء. وعندما تذكر الأنفاق في يومنا هذا، فهي تذكر في سياق عسكري أو كأماكن لاحتجاز الرهائن. لكن نظام الأنفاق بدأ في غزة، بادئ ذي بدء وقبل أي شيء، كوسيلة للبقاء الاقتصادي والوصول إلى مصر.

إن ما كتبه نيكولاس بيلهام عن ظهور اقتصاد الأنفاق في مجلة الدراسات الفلسطينية العام 2012 يستحق الاقتباس:

"تعد سيطرة حركة حماس عسكريا على القطاع في صيف 2007 نقطة تحول في تجارة الأنفاق. إذ شدد المحتل الحصار القائم أصلا على القطاع. وأغلقت مصر معبر رفح. وأعلنت إسرائيل غزة "كيانا معاديا". وبعد إطلاق وابل من الصواريخ على مناطقها الحدودية في تشرين ثاني 2007، قامت إسرائيل بتقليص الإمدادات الغذائية للقطاع إلى النصف وقطعت عنه واردات الوقود. وفي كانون ثاني 2008، أعلنت إسرائيل فرض حصار كامل على الوقود بعد إطلاق الصواريخ على سديروت، وحظرت جميع أنواع الإمدادات الإنسانية باستثناء سبع فئات. وعندما نفدت إمدادات الوقود (البنزين)، ترك سكان غزة حافلاتهم على جانب الطريق واشتروا الحمير للتنقل. وفي ظل الحصار الإسرائيلي في البحر والحصار المصري-الإسرائيلي على الأرض، أصبحت الأزمة الإنسانية في غزة تهدد حكم حماس. ولقد استهدفت جهود الإسلاميين الأولى للإفلات من القبضة الخانقة للحصار، مصر، كونها الحلقة الأضعف. ففي كانون ثاني 2008، قامت قوات من حماس بهدم جزء من الجدار عند معبر رفح للسماح لمئات الآلاف من الفلسطينيين بالعبور إلى سيناء. ورغم ازدهار الطلب الاستهلاكي المكبوت منذ زمن طويل، إلا أن ذلك لم يسهم سوى بتخفيف الأزمة في المدى القصير. وفي غضون أحد عشر يوما، نجحت القوات المصرية في إرجاع الفلسطينيين للقطاع. وعززت مصر قوات الجيش التي تحرس البوابات المغلقة وبنت جدارا حدوديا محصنا. ومع تشديد الحصار، انخفض عدد العاملين في قطاع الصناعة في غزة من 35 ألفاً إلى 860 فقط بحلول منتصف العام 2008، وانخفض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بمقدار الثلث عن مستواه في العام 2005 مقارنة بزيادة بمقدار 42% في الضفة الغربية. ولكن عدد الأنفاق ارتفع عشية عملية الرصاص المصبوب في كانون الأول 2008 الى ما لا يقل عن خمسمائة بعد أن كان لا يزيد عن بضع عشرات منتصف العام 2005. وارتفعت عائدات تجارة الأنفاق من نحو 30 مليون دولار سنوياً في العام 2005 إلى 36 مليون دولار شهرياً. وهو ما خفف إلى حد ما من الركود الحاد الذي كان اقتصاد غزة يعاني منه نتيجة مقاطعة المجتمع الدولي لحماس".

قامت حماس بتنظيم تجارة الأنفاق من خلال "لجنة الأنفاق"، التي باتت مسؤولة عن فرض الرسوم، وتنظيم الأمن، وتحديد أنواع السلع التي يتم تبادلها. وكما كتب تنيرة (2021) في مقالة ممتازة في مجلد احتوى على مقالات مختلفة بعنوان "الاقتصاد السياسي في فلسطين:"

سُمح لصغار رجال الأعمال بالاستثمار في تشييد أنفاق متوسطة التطور تضمن تدفق البضائع والإمدادات تحت وصاية حماس. كما سمح لعمال الأنفاق (المسؤولين عن حفر الأنفاق) المشاركة في ملكية هذه الأنفاق بحيث يحصلون على حصة معينة من الإيرادات المتولدة منها. وفي الوقت ذاته، ضمنت حماس الحصول على نسبة تتراوح بين 25 و40% من إيرادات الأنفاق... كما استغل التجار انخفاض أسعار البضائع المهربة من مصر بشكل كبير... وقاموا في الوقت نفسه ببيع البضائع في الأسواق المحلية بنفس سعر البضائع الإسرائيلية المجمركة... بالتالي تمكن التجار الجدد من تحقيق أرباح مرتفعة جدا… لكن نظرا للمخاطر الأمنية العالية والاعتبارات الأمنية التي ينطوي عليها هذا الأمر…. كانت حماس تسمح لمجموعة صغيرة تختارها بدقة من التجار بالمشاركة في الأنفاق..."

وفي ذروة قوتها، أوائل العقد الأول من القرن الحالي، كانت حماس على الأرجح تجني إيرادات بنحو 750 مليون دولار سنويا من نظام الأنفاق. والأهم من ذلك، تمكن قطاع غزة، بفضل نظام الأنفاق، من جلب مواد البناء لتلبية احتياجات الإسكان وإعادة البناء بعد العدوان الإسرائيلي الكارثي في 2008-2009. وكما تفيد تقارير الأونكتاد:

"كان هناك بين عامي 2007 و2013 أكثر من 1,532 نفق تمتد تحت الحدود بين غزة ومصر البالغ طولها 12 كيلومترا.... وكان حجم تجارة الأنفاق أكبر من حجم التجارة عبر القنوات الرسمية ويذكر برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، استناداً إلى إحصاءات مواد البناء التي سمحت إسرائيل بدخولها، أن إعادة بناء 6,000 وحدة سكنية دمرت خلال العملية العسكرية في كانون الأول 2008 وكانون الثاني 2009، كانت ستستغرق 80 عاماً فيما لو اعتمدت على كميات مواد البناء التي كانت إسرائيل تسمح بإدخالها. إلا أن الكميات الكبيرة من مواد البناء المجلوبة عبر الأنفاق سمحت بإنجاز هدف البناء هذا في خمس سنوات فقط (بيلهام، 2011). وبالمثل، كانت محطة توليد الكهرباء في غزة تعمل بالديزل المهرب من مصر عبر الأنفاق بمعدل مليون لتر يوميا قبل حزيران 2013 (OCHA, 2013)".

وصل اقتصاد الأنفاق الى أوجه بين عامي 2011 و2013 عقب الإطاحة بنظام حكم مبارك القمعي في مصر وصعود هبات الربيع العربي وتأسيس حكم الإخوان المسلمين في القاهرة. ومع تدفق الإمدادات وازدهار قطاع البناء، انتعش نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في غزة من مستواه المتدني في عام 2008. لكن، بعد ذلك وقعت طامة كبرى.

استحوذ الجيش المصري على السلطة في تموز 2013، مطيحا بحكم حلفاء حماس. وبعد عام من ذلك، أي في تموز 2014، شنت إسرائيل حرب الـ50 يوما ضد حماس والتي كان نتيجتها دمار شامل. لم تتعرض غزة لقصف مدمر بعشرات الآلاف من قذائف المدفعية والقنابل فحسب، بل تمكنت حملة إسرائيلية-مصرية مشتركة من تدمير شبكة الأنفاق.

ومع حلول أيار 2015، ارتفع عدد اللاجئين الفلسطينيين الذين يعتمدون على المساعدات الغذائية فقط من وكالة الأونروا إلى 868 ألف، وهو ما يمثل نصف سكان غزة و65% من إجمالي اللاجئين المسجلين (الأونروا، 2015).

لم يكن القصف والعزل هما التهديدان الوحيدان اللذان كان على اقتصاد غزة مواجهته. تظهر بيانات صندوق النقد الدولي أن اقتصاد غزة شهد بعض التعافي من الصدمة الهائلة التي تعرض لها في 2014 مع حلول العام 2017، ولكن انقطاع التمويل تسبب في انخفاض شديد في الإنفاق الحكومي، وهو ما أعاد الوضع الاقتصادي إلى التدهور من جديد. ومما فاقم الضغوط المالية التي تواجهها السلطات الفلسطينية، قيام إسرائيل باحتجاز الإيرادات الضريبية المستحقة للسلطة بموجب اتفاقيات باريس الاقتصادية لعام 1994.       

  1. غزة ما قبل الحرب: نموذج للتنمية المعاكسة

وتحت تأثير هذه الضغوط، وحتى قبل انفجار أعمال العنف الأخيرة، أصبح من الصعب وبشكل متزايد أكثر من ذي قبل، الحديث عن تنمية اقتصادية في قطاع غزة. وانخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى 1,500 دولار فقط للفرد بالسنة. وأصبح معدل البطالة في غزة ما بين 40 و50%، أي أعلى بقرابة ثلاثة أضعاف من نظيره في الضفة الغربية.       

وكما تظهر بيانات شير هيفر Shir Hever، فإن الأجور في غزة هي في أدنى سلم الأجور القائم على التوزيع العرقي للعاملين في إسرائيل/فلسطين.

عندما جاءت ساره روي لأول مرة في الثمانينيات بفكرة "التنمية العكسية"، كان هدفها التشديد على أن غزة لا تتطور على الرغم من نمو الدخل. ومنذ العام 2014 بات حتى هذا التصور متفائلا للغاية: لقد تم فعليا تدمير اقتصاد غزة. وعندما يتحدث الناس عن قطاع غزة على أنه "سجن مفتوح" فإنهم يصيبون كبد الحقيقة.

تحاجج روي في آخر طبعة من كتابها الرائد المنشورة في العام 2016، بأن مسار غزة على مدار السنوات الـ 48 الماضية قد أعاد وضعها من منطقة كانت متكاملة اقتصاديا ومرتبطة بشكل كبير بإسرائيل والضفة الغربية، إلى جيب معزول يمكن التخلص منه، غير متصل بالضفة الغربية وإسرائيل، وعرضة لضربات عسكرية متكررة.

إذن، هذه هي الإجابة على سؤالنا الأول. بهذه الطريقة يمكن ببساطة أن يتم أمر نصف سكان قطاع غزة بالانتقال من أحد أطراف المعزل إلى الطرف الآخر. ليس لدى المدنيين ثروة يمكن الحديث عنها، كما أن صلاتهم بالعالم الخارجي محدودة إن لم تكن معدومة. وهم يعتمدون، في جميع الأحوال على المساعدات، والقليل الذي يمكنهم تهريبه إلى القطاع. لقد أصبحوا، على حد تعبير روي الذي تنبأت بما سيأتي "معزولين ويمكن التخلص منهم". في هذا الوقت من الأزمة، سيفضل الجيش الإسرائيلي أن لا يجدهم في طريقه، إذ أن كل ما يريد التركيز عليه هو قتل مقاتلي حماس وتدمير بنيتهم التحتية العسكرية. لذا فقد آن الأوان لأن يذهبوا.

المصدر: https://adamtooze.substack.com/p/chartbook-245-gaza-beyond-de-development