جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية لعام 2025

 

مُنحت جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية لعام 2025 إلى جويل موكير، وفيليب أغيون، وبيتر هوويت. وقد منح النصف الأول من الجائزة إلى جويل موكير تقديراً لأبحاثه حول العوامل التاريخية التي أدت إلى النمو الاقتصادي المستدام وظهور ما يسميه «المعرفة المفيدة» باعتبارها شرطاً أساسياً للتقدم التكنولوجي المستمر الذي كان وراء النمو الهائل الذي بدأ خلال القرن الثامن عشر. أما النصف الثاني من الجائزة فقد مُنح لفيليب أغيون وبيتر هوويت لإنشائهما نموذجًا رياضيًا يفسر الآليات الكامنة وراء مفهوم التدمير الخلاق ودوره في النمو المستدام طوال الفترة التاريخية الحالية.

وقد سعى المؤرخ الاقتصادي جويل موكير إلى توضيح الآليات الثقافية والمجتمعية المسؤولة عن ظاهرة التوليد الذاتي التي تطرقت إليها المعرفة المرتبطة في التقدم التكنولوجي، مما أدى إلى تسارع النمو الاقتصادي ابتداء من القرن الثامن عشر بشكل مستمر. على عكس القرنين السابقين، كان النمو ظاهرة محدودة النطاق تقتصر على مناطق صغيرة أو قطاعات محدودة، وتتعرض لانتكاسات كبيرة. ووفقاً لموكير، كانت القوة الدافعة البارزة وراء النمو قبل عام 1750 هي التغييرات المؤسسية، مثل العقود القابلة للتنفيذ، والائتمان، والعلاقات التجارية، التي ساعدت على توسيع الثروة وجعلت تخصيص الموارد أكثر كفاءة. اما التقدم التكنولوجي، فقد بدأ يلعب دوراً أكثر أهمية في النمو الاقتصادي فقط خلال أواخر القرن الثامن عشر، مع ظهور ما يسميه المعرفة المفيدة.  

ويعزو ظهور المعرفة المفيدة إلى التغيرات الثقافية والمجتمعية التي رافقت عصر التنوير في أوروبا. من أهمها، تغييرات حول مفهوم تراكمية المعرفة واستخدمها كأداة يمكن من خلالها تحقيق تقدم مادي.  من الجوانب المهمة الأخرى التي ينسب موكير إليها ظهور وانتشار المعرفة النافعة، هو التحول الجذري الذي شهدته تكلفة الوصول إلى المعرفة خلال القرن الثامن عشر. الأمر الذي ساهم في جعل المعرفة أقل احتكاراً وأكثر انفتاحاً وتداولاً بين الأفراد، وحوّلها إلى سلعة عامة يتم تداولها بحرية بدلاً من أن تظل محصورة في دوائر ضيقة تتسم في السرية والحصرية كما كان الحال في السابق. بالإضافة إلى ذلك، أصبحت المعرفة عمومية بشكل متزايد وبدأت مؤسسات نشر المعرفة والتواصل الشبكي بلعب دور مهم في نشر المعرفة، مثل الجمعية الملكية أو جمهورية الآداب.

يصنف موكير نوعين من المعرفة المفيدة، النوع الأول هو المعرفة الاقتراحية والنوع الثاني هو المعرفة الإرشادية. المعرفة الاقتراحية هي معرفة «ماذا»، تشمل الملاحظات والتصنيفات والقياسات للظواهر الطبيعية، وتحديد القواعد والمبادئ (القوانين الطبيعية) التي تفسرها. أما المعرفة الإرشادية، فهي معرفة «كيف». وهي معرفة تعليمية يسميها موكير «تقنيات»، مثل البناء أو التصميم. الأمر الأكثر أهمية هنا هو أن التدفق الحر للمعرفة بين أصحاب المعرفة النظرية والمعرفة التطبيقية هو الذي أدى إلى تسارع التقدم التكنولوجي والنمو الاقتصادي بالقدر الذي شهدناه خلال القرنين الماضيين. على وجه التحديد، أدى التفاعل وتبادل المعرفة بين أصحاب الخبرة العملية والمعرفة النظرية إلى نشوء علاقة تكاملية ذات تأثير متبادل، حيث تساعد الاكتشافات العلمية الجديدة، من ناحية، في ابتكار تقنيات جديدة، بينما توفر التقنيات الحديثة، من ناحية أخرى، الأدوات اللازمة للوصول إلى رؤى علمية أكثر تقدما. ومن الأمثلة على ذلك استخدام المعرفة النظرية للضغط الجوي والفراغات لابتكار المحرك البخاري، بينما استخدمت المعرفة العملية لانحناء العدسات في المجاهر في تأسيس علم البكتيريا الاقتراحي.

وأخيرًا، يحدد موكير عاملاً مساهماً مهماً آخر في التقدم التكنولوجي يتعلق بعملية «التدمير الخلاق» وعلاقة المجتمع معها. يصف مصطلح «التدمير الخلاق»، الذي أطلقه جوزيف شومبيتر لأول مرة، كيف أن ابتكار تقنيات جديدة يؤدي حتماً إلى تدمير التقنيات القديمة وتقادمها داخل نفس القطاع. ويقول موكير إن عملية التدمير الخلاق، بطبيعتها، خلقت علاقة عدائية بين المبتكرين والأشخاص الذين تعرضت أصولهم المادية والمجتمعية للتهديد بسبب الابتكارات الجديدة، وهو ما يفسر ظاهرة المقاومة ضد الابتكار على مر التاريخ ولم يكن من الممكن التغلب على هذا النوع من الرفض المجتمعي إلا من خلال إدخال شبكات أمان مؤسسية خلال الثورة الصناعية، لحماية أولئك الذين يقدمون الابتكارات الجديدة وأولئك الذين يتعرضون لقوى التدمير الناتجة عنها.

وقد منح النصف الثاني من جائزة نوبل إلى فيليب أجيون وبيتر هوويت تقديراً لأبحاثهما التي تركز بصورة أساسية على مفهوم «التدمير الخلاق» ودوره في النمو الاقتصادي المستدام ودفع عجلة التقدم التكنولوجي في العصر الحديث. وعلى الرغم من أن أجيون وهاويت لم يكونا الأوائل الذين درسوا العلاقة بين التقدم التكنولوجي بالنمو الاقتصادي، إلا أن نهجهما الفريد في وضع نموذج رياضي لعملية «التدمير الخلاق» هو ما جعل إسهامهما أكثر رسوخا، حيث يقدم تفسيرًا أدق لتأثير التقنيات المبتكرة الجديدة باعتبارها قوة مزدوجة: محفزة للنمو من جهة، ومزعزعة للبنى الاقتصادية القائمة من جهة أخرى.

تعمل ازدواجية «التدمير الخلاق» على النحو الاتي: في حال نجحت شركة ما في تطوير تقنية جديدة وحصلت على براءة اختراع، تكتسب الشركة مركزاً احتكاريا في قطاعها بحيث أنه يتيح لها أن تستحوذ على حصص الشركات المنافسة لها نتيجةً للميزات التنافسية المرتبطة بالتقنية الجديدة. من جانب، فإن احتمالية تحقيق الأرباح من خلال اكتساب مركز احتكاري، تعمل كحافز للاستثمار في مجال البحث والتطوير وبذلك تزيد من نسبة الابتكار. ومن جانب آخر، فإن عملية "انتشار التكنولوجيا"   التي تنتج عن طريق استفادة مبتكرين اخرين من المعرفة النافعة الناتجة من ابتكرت سابقة، تعمل على اثباط الاستثمار في مجال البحث والتطوير إذ أن هذه المعرفة النافعة الجديدة تهدد المركز الاحتكاري الناتج عن الابتكارات المرتبطة بها.  الديناميكية الناتجة عن هذا التعارض تلعب دوراً مهماً في تحديد مستوى الابتكار ومستوى الإقبال عليه والاستثمار به. 

استنادًا إلى التفاعل بين الأرباح الاحتكارية والانتشار التكنولوجي، يوضح آغيون وهاويت كيف يمكن لكلا «التدمير الخلاق» والنمو الاقتصادي أن يؤثر كل منهما على الآخر، مما يجعل علاقتهما مناسبة لنمذجة التوازن العام. على سبيل المثال، من خلال تحديد الدرجة المثلى من المنافسة وحماية براءات الاختراع التي تخدم النمو في مختلف الصناعات. أو من خلال دراسة آثار النمو على معدلات خلق الوظائف وفقدانها داخل الاقتصاد، وبالتالي ربط ذلك بمستويات البطالة العامة. في الختام، يوفر نموذج التدمير الخلاق الذي وضعه أغيون وهاويت أداة فعالة لتوجيه صنع السياسات الاقتصادية، من أجل تحقيق معدلات نمو مناسبة عن طريق توفير المبادئ التوجيهية القانونية والسياسية والمؤسسية الصحيحة التي تسهل القوة الإبداعية للابتكار دون أن يُنظر إلى قوته التدميرية على أنها تهديد للاستثمار.

 


 

قراءة إضافية

 

Aghion , P., & Howitt, P. (1992). A Model of Growth Through Creative Destruction. National Bureau of Economic Research.

Aghion, & Howitt. (1994). Growth and Unemployment. Review of Economic Studies, 477-494.

Aghion, & Howitt. (1995). Technical Progress in the Theory of Economic Growth. In Economics in a Changing World (pp. 101-122). Palgrave Macmillan.

Aghion, Bloom, Blundell, Griffith, & Howitt. (2005). Competition and Innovation: An Inverted U Relationship. Quarterly Journal of Economics, 701-728.

Aghion, Howitt, Harris, & Vickers. (2001). Competition, Imitation and Growth with Step-by-Step Innovation. Review of Economic Studies, 467-492.

Aghion, P., Akcigit, U., & Howitt, P. (2013). What Do We Learn From Schumpeterian Growth Theory? National Bureau of Economic Research.

Mokyr, J. (2000). Knowledge, Technology and Economic Growth During the Industrial Revolution. Retrieved from https://faculty.wcas.northwestern.edu/jmokyr/Groningen.pdf

Mokyr, J. (2002). The Gifts of Athena: Historical Origins of the Knowledge Economy. Princeton University Press.

Mokyr, J. (2005). The Intellectual Origins of Modern Economic Growth. Journal of Economic History, 285 - 351.

Mokyr, J. (2025). Culture Versus Institutions in the Great Enrichment. In Menard, & Shirley, Handbook of New Institutional Economics. Springer.
https://www.nobelprize.org/prizes/economic-sciences/2025/advanced-information/