الرئيسية
برامج التدريب
انشطة المعهد
شواغر
المنشورات
مرافق المعهد
المكتبة
خريطة الموقع
عن ماس

الأيام : حول مؤتمر «ماس 2016» والحوار الاقتصادي

 حول مؤتمر «ماس 2016» والحوار الاقتصادي
2016-10-01
وليد الأحمد
تحت عنوان «نحو رؤية جديدة للنهوض بالاقتصاد الفلسطيني» معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطينية (ماس) عقد مؤتمره الاقتصادي لعام 2016 في نهاية آب الماضي، وبعد تحضير امتد لخمسة شهور أُعدت خلالها أوراقٌ تمس مختلفَ أوجه النشاطات الاقتصادية الفلسطينية ومن خلال ورش عمل متواصلة بحثت فيها اربع أوراق شملت تحديات النمو الاقتصادية والاجتماعية وسبل معالجتها، تطوير بيئة الأعمال، الحوكمة الاقتصادية، تطوير القطاعات الإنتاجية وتطوير قطاعات البنية التحتية والإسكان، وبمشاركة نخبة من الباحثين الاقتصاديين والأكاديميين المختصين ورجال الأعمال وممثلين لمؤسسات من القطاع الخاص، إضافة الى وزراء وممثلين حكوميين ومؤسسات عامة.
وبتفاعل جاد وحوارات معمقة استعرضت الدراسات المعدة من كادر «ماس» وأخرجت مسودة الأوراق الأربع المقدمة للمؤتمر لتكون أساس البحث في المؤتمر.
وفي ظل تعقيدات الوضع الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال واقتصاد مشوه شديد التبعية للاقتصاد الإسرائيلي ومفسخ بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وعزلة القدس عن باقي المناطق الفلسطينية، وعدم استقرار في النمو الاقتصادي بسبب اعتماده على الإنفاق الاستهلاكي، والتقوض المتواصل للقاعدة الإنتاجية وبيئة أعمال غير مواتية للاستثمار والإنتاج، الى جانب ركود في نمو الدخل وارتفاع نسبة البطالة والفقر وعدم قدرة الاقتصاد المحلي على توليد الوظائف الكافية لاستيعاب القادمين الى سوق العمل، حيث إن الاقتصاد المحلي لا يستطيع توظيف أكثر من (60%) من القوة العاملة المتاحة وعجز دائم في الميزان التجاري. وعلى صعيد الأداء المالي ورغم التحسن في الأداء في الآونة الأخيرة، إلا أن الاختلال في هيكلية الموازنة العامة، والعجز ومحدودية الموازنة التطويرية والاعتماد على الإنفاق الاستهلاكي الجاري الحكومي، وعدم وجود معايير ترشيدية للإنفاق الجاري هي السمة الأساسية للموازنة.
هذه الصورة القائمة التي تعكس حال الاقتصاد الفلسطيني كما شُخصت في أوراق المؤتمر تزيد المصاعب في تشكيل وبناء سياسة اقتصادية اجتماعية قادرة على مواجهة التحدي، وتكوين رؤية للنهوض بالاقتصاد الفلسطيني، وبالرغم من ذلك استطاع القائمون على المؤتمر توجيهه التركيز على المهام والأهداف العملية والواقعية المطلوبة في المدى القصير والمتوسط بما يسهم ويحاكي الضرورة للنهوض بالاقتصاد الوطني، ليكون قادراً على تحقيق تنمية مستدامة وعلى الانعتاق من براثن التبعية، وهذا ما تجلى في البيان الختامي للمؤتمر وهو ما يمكن اعتبارُه ضمناً تعبيراً عن توافق المشاركين في المؤتمر من ممثلي الوزارات والمؤسسات الحكومية وممثلي القطاع الخاص والأكاديميين المختصين، وهذا بحد ذاته إنجاز هام. ولكن لا بد من الإشارة الى بعض الملاحظات على المؤتمر ونتائجه وفق اقتراح عدد من السياسات والآليات كما وردت في البيان الختامي:
أولاً: في الإشارة الى استغلال الهوامش القانونية والفنية المتاحة في «بروتوكول باريس الاقتصادي» للاستفادة من النظام التجاري القائم، لا أظن أن هناك من يختلف على أن إسرائيل نقضت الاتفاق وتخالف كل ما يتعارض مع مصالحها و/أو لا يتفق وسياساتها القائمة على ابقاء الاقتصاد الفلسطيني تابعاً وهشاً ملحقاً بالاقتصاد الإسرائيلي، وتتعامل مع المناطق الفلسطينية مستودعاً للعمالة الرخيصة والأراضي وسوقاً استهلاكياً لمنتجاتها، وتضع العراقيل أمام طموحات الفلسطينيين في الانعتاق وبناء اقتصاد وطني معافى منفتح على الأسواق المحيطة والدولية قادر على تحقيق تنمية مستدامة، وبالرغم من أن الاتفاق في حينه حقق مكاسبَ للاقتصاد الفلسطيني، الا أنه صُمم بحيث لا يسمح مطلقاً لبناء اقتصاد مستقل لكيان مستقل من خلال إبقاء الاقتصاد الفلسطيني مقيداً في الغلاف الجمركي مع الاقتصاد الإسرائيلي، وبالتالي ومع التقدير للتوصيات الواقعية والموضوعة بدقة وعناية في البيان الختامي لا بد من العمل على فتح ملف الاتفاق بما يستجيب والمصالح الوطنية بعد مرور أكثر من عشرين عاماً على توقيع الاتفاق وبما يتناسب والطموح في بناء اقتصاد وطني قادر على تحقيق التنمية المستدامة.
ثانياً: في تناول موضوع الأداء المالي وإدارة المال العام وبالرغم من إشارة البيان الختامي الى ضرورة تقوية السياسات المالية في توجيه الاستثمار نحو القطاعات الإنتاجية، وزيادة المخصصات التطويرية، وتحسين الايرادات وضبط النفقات وتخفيض العجز وتوسيع القاعدة الضريبية، كذلك توسيع المشاركة في نقاش الموازنة نحو المزيد من الشفافية في إعدادها وتنفيذها، بالرغم من كل هذا لا بد من التأكيد على استمرار الإصلاح الهيكلي في الموازنة العامة وادارة المال العام، بحيث تكون قادرة على الاستجابة لهذه الطموحات، فليس من المعقول ان تكون حصة القطاع الزراعي (1%) من الموازنة وحصة القدس كذلك، في حين تصل حصة الأمن الى ما يزيد على ثلث الموازنة، وان تبتلع فاتورة الأجور والرواتب ما يزيد على ثلثي النفقات العامة، إضافةً الى نظام ضريبي لا يتسق وتقليص الفجوات الاجتماعية وتحقيق العدالة الاجتماعية.
ثالثاً: حتى عام 2013 تلقت السلطة الوطنية الفلسطينية مساعداتٍ ومنحاً بما يزيد على عشرين مليار دولار منذ نشأتها، صُرفت في مجالات البنية التحتية، ودعم الموازنة العامة والأمن. ولكن هل من الممكن القول إن هذه المساعدات صُرفت وتصرف وفق سياسات وبرامج السلطة بحيث تسهم في دفع عجلة التنمية وتدعم توسيع القاعدة الانتاجية ورفع نسبة الموازنات التطويرية وتستجيب والمصالح العليا للشعب الفلسطيني وتحقيق طموحه في بناء الاقتصاد الوطني القادر على تحقيق التنمية المستدامة. الحقيقة التي لا لبس فيها أن المِنح والمساعدات من الجهات المانحة سياسية بامتياز بمعزل عن المصالح الوطنية، بل وخاضعة تماماً للموافقة الإسرائيلية رغم معارضة سياساتها في أحيان كثيرة، وهذا ما يتطلب الوقوف عند هذا الموضوع ومراجعته برمته كموضوع حيوي يستحق أن يقف عنده المؤتمر.
رابعاً: تبلور الخطاب السياسي الإسرائيلي في ظل حكم اليمين وعلى لسان كبار المسؤولين ورأس الحكم في اسرائيل، على اعتبار أن جوهر الصراع مع الفلسطينيين ناتج عن عدم استعداد الفلسطينيين قبول وجود اسرائيل «كدولة قومية للشعب اليهودي» وليس الاحتلال والاستيطان المسبب للصراع، وبالتالي لا يرون أن هناك قيمة لتقديم تنازلات اقليمية بالانسحاب من الاراضي الفلسطينية تمهيداً لحل «الدولتين»، والبحث عن حل للصراع مضيعة للوقت وتبديدٌ للجهود وان المطلوب هو ادارة الصراع وليس حله. وعليه ترى النخبة الحاكمة أن على اسرائيل التركيز على إعادة بناء المجتمع الفلسطيني وتحسين الاقتصاد والبنية التحتية وفق مفهومهم القائم على تكريس التفتيت للبناء الاقتصادي والاجتماعي بين الضفة وغزة وعزل القدس وبقاء السيطرة على الأغوار ومناطق «C»، وبالتالي استمرار التبعية للاقتصاد الإسرائيلي والسيطرة على الموارد الطبيعية في الأراضي الفلسطينية وتكريس الهشاشة والتشوه في بنية الاقتصاد الفلسطيني والعجز في تحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة.
والسؤال هنا هل يوجد لدى الفلسطينيين سياسة وسياسات وضمن إمكاناتهم تشكل رداً وتقاوم السياسات الإسرائيلية؟ صحيح أن الإصلاح الجذري وتحرير الاقتصاد الفلسطيني وتحقيق تعافيه يبدأ بإنهاء الاحتلال، ولكن هناك ما يمكن عمله (وهذا ما تم التعرض له في المؤتمر) حال توفر ارادة وطنية. وما جاء في توصيات المؤتمر من حيث رفع كفاءة الإدارة العامة في وظائف الدولة والذي لا يمكن تحقيقه بدون إصلاح جذري في بنية الجهاز الحكومي، وتقليص الفجوات القانونية والتنموية بين المناطق والذي يرسخ بالانقسام الفلسطيني في الضفة الغربية وغزة، والدعوة لتعزيز الاستثمار في التعليم وإصلاح المناهج ....وغيرها.
لا شك أنها مهمة ولكن في الجوهر لا نرى انسجاماً وتناسقاً واضحاً في الأداء السياسي والأمني والاقتصادي، كما أن أداءنا المالي والاقتصادي يشكل عبئاً على الموضوع السياسي وليس داعماً له. ومن ناحية أخرى، لا ليس لنا تعريف واضح لعلاقتنا الاقتصادية مع اسرائيل ينسجم ومصالحنا الوطنية العليا ويتسق والاداء السياسي بالرغم من الاتفاقات المعمول بها والتي تكرس الوضع القائم.
خامساً: من أهم نتائج المؤتمر اعلان رئيس الوزراء «تشكيل إطار شراكة استراتيجية دائمة، تمثل شراكة الصمود والبناء الوطني» يضم ممثلين عن الأطراف الفاعلة في بناء وتطوير الاقتصاد، هذه ليست المرة الأولى، وقد تمت الدعوة لتشكيل مثل هذا الإطار في حوارات ومؤتمرات سابقة ضمت ممثلين للقطاع العام والخاص. وعملت بهذا التقليد الكثير من الدول النامية والدول حديثة التحرر بمسميات مختلفة.
ان مثل هذا الإطار يشكل ضرورة وطنية، شرط أن تكون له مساهمة فاعلة في التخطيط الاقتصادي والاجتماعي ووضع السياسات العامة، ودور رقابي جدي في ظل غياب وتعطل السلطة التشريعية، ومن ناحية أُخرى ان يعبر الإطار عن مختلف الفئات والشرائح الاجتماعية.
إن التوقف عند هذه الملاحظات المفصلية لا يأتي من باب تقييم المؤتمر بقدر ما هو إشارة الى ضرورة تعزيز الحوار الوطني والمشاركة العامة لبناء سياسة اقتصادية واجتماعية قادرة على مواجهة التحدي وتكوين رؤية للنهوض بالاقتصاد الوطني، بما ينسجم ومواجهة التحدي العام السياسي والاجتماعي للتخلص من الاحتلال.
لقد شكل المؤتمر بصمة متميزة في هذا الاتجاه ولكن لا بد من عمل المزيد لتطوير الحوار، ومأسسته ليشكل عقلاً جمعياً يستجيب والمصالح الوطنية.